أدت هجمات الطائرات بدون طيار ضد منشآت النفط السعودية في "بقيق" وحقل "خريص" النفطي، وكلاهما يقعان في المنطقة الشرقية الشيعية في المملكة، إلى ارتفاع درجات الحرارة السياسية في الخليج العربي مرة أخرى. و نتيجة لهذه الهجمات، انخفض إنتاج النفط في المملكة بأكثر من 50%. وأعلن متحدث باسم الحوثيين في اليمن مسؤوليتهم عن الهجمات، مبررا ذلك بالرد على غزو السعودية لليمن وحملتها القاسية المستمرة هناك.

غير أن آخرين، وأبرزهم الولايات المتحدة، أشاروا بإصبع الاتهام إلى إيران؛ ما يعني ضمنا إما أن الحوثيين كانوا يتصرفون بناءً على تعليمات من طهران، أو أن الضربة جاءت من مكان آخر. وحمّل وزير الخارجية "مايك بومبيو" إيران المسؤولية، وقال السيناتور "ليندسي غراهام" إن على الولايات المتحدة أن تقصف مصافي إيران ردا على هذه الهجمات. ووفقا للتقارير الصحفية، حاول البعض توريط العراق في الهجمات. ووفقا لهذه التقارير، استخدمت الميليشيات الشيعية الأراضي العراقية لمهاجمة المنشآت النفطية السعودية. ومع ذلك، نفى مكتب رئيس الوزراء العراقي هذه المزاعم، وقال إنه وفقا لدستور العراق، لا تسمح البلاد باستخدام أراضيها لشن هجمات على الدول المجاورة. وبغض النظر، فقد ركزت الولايات المتحدة على إيران باعتبارها الجاني الرئيسي.

  • سياسة التصعيد التدريجي

وبسبب الطبيعة الغامضة لعلاقات إيران مع الحوثيين، من الصعب التأكد من مدى دقة تورط طهران في هذه الهجمات. ومن الواضح أن الحوثيين ليسوا مجرد أدوات لسياسة إيران الإقليمية. علاوة على ذلك، فإن لديهم مظالمهم الخاصة تجاه المملكة، خاصة أن الجيش السعودي يتدخل في اليمن منذ عام 2015. ومع ذلك، لا يمكن إنكار أن الحوثيين لهم صلات بطهران، ويشاركونها مخاوف مماثلة فيما يتعلق بسلوك السعودية الإقليمي. لذلك، من المتصور أن هذه الهجمات تمت المصادقة عليها أيضا من قبل طهران، إن لم تكن بأوامر منها.

وتأتي هذه النظرية أيضا في إطار استراتيجية إيران المتمثلة في التصعيد التدريجي للتوترات في مواجهتها مع الولايات المتحدة. في البداية، استولت على سفن مملوكة لأجانب في الخليج العربي، ثم زادت تدريجيا من مستوى تخصيب اليورانيوم. وكانت هذه الإجراءات التي اتخذتها إيران تهدف إلى إظهار أن الولايات المتحدة ودول الخليج العربية لا تستطيع الضغط عليها وتجويعها دون أن تدفع الثمن وتعاني من الألم.

وتبقى الطريقة الوحيدة التي يمكن لإيران من خلالها إلحاق الأذى بالجهات الفاعلة الإقليمية والدول الصناعية هي التأثير على تدفق النفط وأسعاره. وبالنظر إلى مكانة السعودية المحورية في سلسلة إمدادات النفط العالمية، فإن تخفيض إنتاج المملكة وصادراتها سيكون أفضل طريقة لإظهار تعرض الإمدادات النفطية العالمية المحتمل للانتقام الإيراني. كما أن الهجمات القادمة من الحوثيين وليس مباشرة من طهران توفر لإيران قدرا من الإنكار، وبالتالي تجعل الرد الانتقامي العسكري من جانب الولايات المتحدة أو السعودية أكثر إشكالية. باختصار، تبعث هذه الهجمات برسالة إلى دول المنطقة مفادها أنه على الرغم من قدرتها على تجويع إيران نسبيا، إلا أنها لا يمكن أن تبقى آمنة بينما تعاني طهران وحدها.

  • مأزق لا يمكن تحمله

وتشير الهجمات أيضا إلى أن الجمود الحالي بين إيران والولايات المتحدة لا يمكن أن يستمر إلى ما لا نهاية. ورغم الكلمات الشجاعة القادمة من طهران، إلا أن البلاد تعاني بالفعل من العقوبات الأمريكية. ولا يقتصر الأمر على الاقتصاد الإيراني، لكن الضغوط الاقتصادية تزيد من التوترات والاحتكاكات الاجتماعية والسياسية. وليس من الواضح إلى أي مدى يمكن لإيران العمل تحت وطأة العقوبات.

ومع ذلك، فمن غير المرجح أن تستسلم طهران تحت الضغط. ويشعر المتشددون في إيران أن الاستسلام للضغط الأمريكي سيقوض موقفهم بشكل أكثر خطورة من المشاكل التي تسببها العقوبات. وحتى القوى المعتدلة تشعر أنه لا يوجد ما يضمن أنه إذا استسلمت إيران، فإن الولايات المتحدة ستتوقف عن الضغط عليها.

وفي ظل هذه الظروف، تشعر إيران أن السبيل الوحيد لإنهاء هذا المأزق هو زيادة المخاطر بالنسبة للولايات المتحدة وحلفائها الإقليميين، عبر إدامة وتصعيد الأزمة الحالية، وعبر إظهار أن أحدا لن يظل بمنأى عن العواقب.

  • ما الذي يجب عمله؟

وكقاعدة عامة، ينتهي الجمود بطريقتين: إما عن طريق تصعيد الصراع إلى نقطة أكثر سخونة أو من خلال التوصل إلى شكل من أشكال التسوية والتوافق. ومن الواضح أن الحرب مع إيران ستكون مسألة باهظة الثمن، وترفض الولايات المتحدة الدخول فيها، على الرغم من أن بعض حلفائها الإقليميين يرغبون في رؤية هذه الحرب. ومن المؤكد أن الحرب مع إيران ستشمل العراق، حتى لو لم تكن بغداد تريد أن تكون متورطة. وحتى لو انتصرت الولايات المتحدة، فإن إدارة ظروف ما بعد الحرب في إيران ستكون أصعب مما كان عليه الحال في أفغانستان والعراق.

أما الخيار الآخر فهو تخفيف الضغط على إيران، وبالتالي تمهيد الطريق لشكل من أشكال التسوية مع طهران بشأن القضايا الإقليمية وغيرها، لاسيما في الخليج العربي. وفي الوقت الراهن، يجب أن تكون واشنطن قد أدركت حدود نفوذ الرياض وتأثيرها. ولم تتمكن السعودية من إقناع الفلسطينيين بخطة السلام الأمريكية أو السيطرة على مجلس التعاون الخليجي. وقاومت قطر الضغوط السعودية، وحتى علاقات الرياض مع أبوظبي أصبحت تعاني بفعل المنافسة في اليمن. والأهم من ذلك، لم تتمكن الرياض -على الرغم من قوتها العسكرية المتفوقة والدعم الغربي- من إخضاع اليمن، وأصبحت متورطة في حرب مدمرة دون نهاية في الأفق. وفي المسارح الأخرى، مثل سوريا، لم تسفر السياسات الأمريكية أيضا عن النتائج المرغوبة، وزادت من تعقيد الموقف المعقد بالفعل.

باختصار، لقد حان الوقت للولايات المتحدة للنظر في الدبلوماسية والحل الوسط، بدلا من الضغط والتهديد بالعمل العسكري، كوسيلة لتخليص نفسها وحلفائها الإقليميين من الظروف الصعبة، وفي الوقت نفسه، لضمان مصالحها الاستراتيجية الخاصة. وإذا فشلت هذه الجهود، فإن الخيار العسكري يبقى موجودا دائما.

المصدر | شيرين هانتر - لوب لوغ