الأربعاء 18 سبتمبر 2019 01:50 م

الآثار الاقتصادية لانعدام الأمن في الخليج

يواجه الخليج العربي خيار تطبيق الردع كسياسة دون استعداء إيران.

سياسة الردع  ليست بالضرورة فرقاطات وبوارج باهظة الثمن أو أساطيل كبيرة.

مطلوب سياسة مشابهة لسياسات الأمن البحري الإيراني المرنة والمتعددة الاستخدامات والتعاون من أجل الصالح العام.

قد تفرز التغيرات الأمنية في الخليج آثار اقتصادية مهمة فيما تواصل أمريكا الانسحاب من المنطقة.

تواجه دول الخليج أولويات جيوسياسية أمريكية متغيرة ولم يعد أمن إمدادات النفط عبر مضيق هرمز أولوية أمريكية.

قوات أمريكا بالخليج لا لضمان استقراره وأمن النفط بل لأهداف أمنية تتعلق بالصين وإعادة تموضع أمريكية عالميا.

*     *     *

بقلم | هادي فتح الله

في يوليو/تموز ، احتجزت إيران ناقلة نفط بريطانية. وفي يونيو/حزيران ، أسقطت إيران أيضًا طائرة استطلاع أمريكية من طراز غلوبال هوك عالية الارتفاع بقيمة 200 مليون دولار ، وتم تخريب ست ناقلات نفط محملة بالنفط الخام من السعودية والإمارات في مايو/أيار ويونيو/حزيران.

هذه السلسلة من الأحداث تسلط الضوء على الطبيعة المتغيرة لأمن الخليج. رداً على التغيرات ، ناشدت دول الخليج العربي الإدارة الأمريكية والمجتمع الدولي التدخل أو سعت لإرضاء إيران.

في المقابل، كانت إيران واضحة حول حيوية أمن الخليج لمصالحها وركزت على حماية مصالحها الاقتصادية من خلال وجودها الأمني عبر دورياتها البحرية المستمرة ونشر الصواريخ في الخليج.

على المدى القصير ، رغم ان انعدام الأمن الحالي أدى إلى زيادة كلفة المخاطر في صناعة تصدير النفط، إلا أن دول الخليج العربي تكافح من أجل حماية مصالحها بالنظر إلى أن التجارة الخليجية بأكملها - بقيمة 1.2 تريليون دولار- على المحك.

جميع دول الخليج العربي هي في المقام الأول من الدول المصدرة للنفط. يشكل النفط 80 بالمائة من ميزانياتها الوطنية، بينما تعتمد إيران على صادرات النفط بحوالي 30 بالمائة في ميزانيتها الوطنية. على هذا النحو ، فإن أمن سلسلة إمدادات تصدير النفط في الخليج أمر حيوي ، من الإنتاج والتصدير إلى المرافق والتخزين والنقل.

السعودية أكبر دولة مصدرة للنفط بمنطقة الخليج بحوالي 6.5 مليون برميل يوميًا من النفط الخام والمنتجات النفطية. يتم تصدير حوالي 80 بالمائة من صادراتها النفطية عبر ميناء رأس تنورة وميناء الجعيمة وميناء الملك فهد الصناعي بالجبيل.

يصدر العراق ، ثاني أكبر مصدر للنفط، حوالي 3.8 مليون برميل يوميًا - أي ما يقرب من 90 بالمائة من إيرادات الدولة العراقية. وهي تصدر عبر محطتي البصرة وخور العمية للنفط، في أقصر السواحل على مياه الخليج.

تنتج  قطر، أكبر مصدر عالمي للغاز الطبيعي، حوالي 40 مليار دولار من دخلها السنوي من شحن 77 مليون طن سنويًا وحوالي 2.1 مليون برميل من النفط الخام والمكثفات يوميًا عبر مضيق هرمز.

مع حصة تقارب 30 بالمائة من سوق الغاز الطبيعي العالمي، تزيد قطر أيضًا إجمالي صادراتها من الغاز إلى 110 مليون طن. ثلاثة أرباع صادراتها ملتزمة بعقود توريد طويلة الأجل، وتشحن جميعها من الخليج.

إيران هي رابع أكبر مصدر للنفط من الخليج. تقع جميع موانئ ومحطات النفط الرئيسية في إيران داخل الخليج، بما في ذلك جزر خرج، ولافان، وسيري، وعسلوية، وبندر عباس، وبندر خميني، التي تصدر منها إيران حوالي 2.5 مليون برميل يوميًا من النفط الخام والمكثفات.

عبر المضيق من إيران، تصدر الإمارات حوالي 1.7 مليون برميل يوميًا ، بالإضافة إلى 800 ألف برميل يوميًا تتجاوز مضيق هرمز عبر خط أنابيب أبو ظبي للنفط الخام (ADCOP) إلى ميناء الفجيرة على المحيط الهندي.

لدى السعودية والعراق وإيران قنوات تصدير بديلة. في حين أن هذه الدول قادرة على تجاوز المضيق من خلال التصدير عبر محطات رابغ وخط أنابيب كركوك-جيهان، والنقل البري وخطوط الأنابيب عبر البلدان المجاورة، في الواقع، فإن طرق التصدير البديلة لن تعوض أكثر من 40 بالمئة من الصادرات الحالية من خلال هرمز.

من ناحية أخرى ، ليس لدى قطر والكويت والبحرين إمكانية الوصول إلى الطرق البديلة المحدودة لتصدير النفط. تصدر الكويت حوالي 1.9 مليون برميل يوميًا حصريًا من خلال هرمز، حيث تمثل حوالي 90 بالمائة من عائدات الصادرات الكويتية.

البحرين أصغر الدول المصدرة للنفط في الخليج ، حيث تصدر حوالي 300 ألف برميل من المنتجات النفطية يوميًا. هذا النقص في قنوات التصدير البديلة مع انعدام الأمن المتزايد سيؤثر بشكل غير متناسب على دول الخليج الصغرى.

التاريخ هو خير دليل على تأثير الاضطرابات في سلسلة إمدادات النفط.

في 1984 ، اندلعت حرب ناقلات بين إيران والعراق والتي أثرت على ناقلات النفط الكويتي وأرغمت البحرية الأمريكية لحماية المصدرين الخليجيين وضبط مياه الخليج بشكل فعال بأكبر قافلة بحرية منذ الحرب العالمية الثانية.

هددت حرب الناقلات بتعطيل امدادات النفط العالمية. عانت إيران من أضرار كبيرة في مرافق تصدير النفط في جزيرة الخرج، وفقد العراق شحنات كثيرة، وعانت الكويت وغيرها من المصدرين من الأضرار وزيادة تكاليف النقل.

وشملت الخسائر الإجمالية أضرار لحوالي 450 ناقلة نفط تابعة لإيران والعراق والكويت والسعودية وشركات الشحن الدولية التي تبحر تحت أعلام ليبيريا واليونان وقبرص ومالطا. أسفرت حرب الناقلات عن سقوط 320 ضحية وإسقاط طائرة ركاب إيرانية أسفرت عن مقتل 290 شخصًا بطريق الخطأ.

إن الاضطراب الحالي لأمن النفط في الخليج له آثار واسعة على الأمن والاقتصاد في المنطقة. إنه يؤثر على الشحنات البحرية الأخرى، وكذلك النقل الجوي ، حيث تقوم العديد من شركات النقل بتحويل الرحلات الجوية من فوق مضيق هرمز.

وقد تواجه دبي والدوحة ، اللتان تسوق كمركزين عالميين للنقل والخدمات اللوجستية والمراكز المالية صعوبات اقتصادية. تبلغ القيمة الإجمالية للتجارة (استيراد وتصدير جميع البضائع بما في ذلك النفط) من قبل جميع دول الخليج حوالي 1.2 تريليون دولار سنويا.

وبدون حساب الخروج المحتمل للاستثمارات الأجنبي والودائع المحلية - وكذلك انخفاض قيمة الأسهم والعقارات في الخليج - فإن المخاطر الاقتصادية مرتفعة جدا.

بدافع من العقوبات الأمريكية المشددة ، تؤكد إيران مصالحها من خلال التواجد البحري في الخليج. وفي الوقت نفسه، لم تفعل معظم دول الخليج العربي الكثير للحفاظ على حصصها في اقتصاد الخليج، بافتراض أن الولايات المتحدة ستتولى الدور الريادي ، كما فعلت في الماضي.

ومع ذلك ، تواجه دول الخليج العربي إدراك أن الأولويات الجيوسياسية للولايات المتحدة قد تغيرت ، وأن أمن إمدادات النفط عبر مضيق هرمز قد لا يعد أولوية للولايات المتحدة.

ان نشر الولايات المتحدة القوات والمستشارين الأمريكيين البالغ عددهم حوالي 35000 في قواعد شبه دائمة في الخليج هو ليس لأغراض ضمان الأمن النفطي أو استقرار دول الخليج العربي، إنما نشرها هو نتيجة للأهداف الأمنية المتعلقة بنهضة الصين وإعادة تموضع أمريكية على المستوى العالمي.

وهكذا يواجه الخليج العربي خيار تطبيق الردع كسياسة دون استعداء إيران. ان سياسة الردع ، لا ينبغي أن تكون في شكل فرقاطات وبوارج باهظة الثمن أو أساطيل كبيرة، ولكن من خلال سياسة مشابهة لسياسات الأمن البحري الإيراني المرنة والمتعددة الاستخدامات ، مع عدم اغفال اهمية التعاون من أجل الصالح العام.

* هادي فتح الله مدير منطقة المشرق ومجلس التعاون الخليجي بمجموعة NAMEA، زميل معهد كورنيل للشؤون العامة بجامعة كورنيل.

المصدر | مؤسسة كارنيغي للسلام العالمي