الأحد 22 سبتمبر 2019 07:38 ص
  • كشف الهجوم عن عجز الدول الرئيسية بمنطقة الخليج على ردع إيران.
  • إيران لن تدفع ثمنا عسكريا مقابل عمليات عسكرية هنا أو هناك في منطقة الخليج.
  • في حالة إيران لم تخسر واشنطن الردع الاستراتيجي لكنها بالتأكيد تخسر الردع التكتيكي.
  • تعرف القيادة الإيرانية أن ترامب يريد صفقة معهم ولن يدخل حربا في موسم الانتخابات.

*     *     *

لا ينكر الإيرانيون حقيقة أن العقوبات التي فرضتها الإدارة الأميركية بعد انسحاب الولايات المتحدة من الاتفاق النووي بين إيران ومجموعة الخمسة زائد واحد هي عقوبات غير مسبوقة وترهق كاهل الاقتصاد الإيراني الذي بات يعاني كثيرا.

في الوقت ذاته تعرف القيادة في إيران أن الرئيس ترامب يريد التوصل إلى صفقة معهم وهو لن يدخل حربا معهم في موسم الانتخابات. لهذا السبب تدرك إيران بأنها لن تدفع ثمنا عسكريا لقاء ما يجري من عمليات عسكرية هنا أو هناك في منطقة الخليج.

وعلى نحو لافت، تتهم الولايات المتحدة إيران بأنها تستهدف أمن الخليج ومصالح حلفائها في المنطقة، وجاء الهجوم الأخير على منشآت أرامكو لتؤكد هشاشة الأمن في الخليج، بل كشف الهجوم عن عجز الدول الرئيسية بمنطقة الخليج على ردع إيران.

بمعنى أن الدول التي تناصب إيران العداء تفشل في معركة الردع. فطهران تُقدّر بأن بإمكانها توجيه ضربات مباشرة أو غير مباشرة دون أن يستهدفها أحد عسكريا. فكل ما تقوم به الدول المستهدفة هو اتهام إيران والتوعد بالرد لكن هذا الرد لم يأت منذ بداية الحرب اليمنية وربما لن يأتي في المستقبل المنظور.

وتهدف إيران من خلال الضغط على حلفاء الولايات المتحدة امتلاك التأثير الدبلوماسي الذي يمكن توظيفه في مفاوضات مستقبلية.

بصرف النظر عن هوية منفذ هجمات أرامكو فإن أصابع الاتهام تشير إلى طهران، لكن إيران تستفيد أيضا من الهجوم الأخير لأنه يقنع المجتمع الدولي باستفحال الأمر وبضرورة إيجاد حل، من شأنه أيضا أن يحبط حلفاء أمريكا في المنطقة عندما يشاهدون ما يبدو عجزا أميركيا في ردع إيران.

ما يساعد إيران في المنطقة أكثر من أي شيء آخر هو سياسة ترامب التي من الصعب حتى على أقرب حلفائه التنبؤ بها، فطريقة ترامب الملتوية القائمة على الغموض المقصود جعل حلفاء واشنطن في الخليج غير واثقين من التزام أميركا بأمن المنطقة.

ويبدو أن ترامب معني فقط بالحصول على أكبر قدر ممكن من أموال الإقليم دون أن يطلق طلقة واحدة في إطار ردع إيران وتطمين الحلفاء. وهنا يظهر جليا أن أميركا تنسحب بشكل بطيء من معادلة النفط مقابل الأمن.

وحتى نكون منصفين، نقول إن الصمود الإيراني لا يستند إلى قوة ذاتيه بقدر ما يستند إلى ضعف عزيمة الخصم، فأميركا المنهكة من الحروب تتحاشى إيران ليس لأنها غير قادرة على هزيمتها، لكنها لا تريد مزيدا من الحروب.

وكل تهديدات ترامب تفقد مصداقيتها تدريجيا وبخاصة بعد أن فضل عدم الانتقام من إيران عسكريا بعد إسقاط طائرة مسيرة من نوع غلوبال هوك. وهنا القراءة الإيرانية صحيحة. لذلك تسعى إيران إلى امتلاك أوراق من أجل تحسين وضعها التفاوضي عندما تحين لحظة الحقيقة.

في عهد ترامب، افتقدت الولايات المتحدة لاستراتيجية واضحة ومتماسكة للتعامل مع التحديات ومن ضمنها التحدي الإيراني، وهنا يشير فريد زكريا ما يفيد أن غياب مثل هذه الاستراتيجية انما يشجع خصوم الولايات المتحدة على فحص عزيمتها.

لذلك إيران تعمل وفقا لهذا الفهم، فهي تجس النبض من خلال القيام بعمليات عسكرية عن طريق أدواتها لتكتشف أن أمريكا تتحدث كثيرا وتعمل قليلا. نذكر عندما تراجع أوباما عن استهداف النظام السوري بسبب تجاوزه خطوط أوباما الحمراء في الحادي والعشرين من أغسطس 2013.

بعدها لم يأخذ أحد كلام أوباما على محمل الجد. في الحالة الإيرانية لا يمكن القول أن واشنطن تخسر الردع الاستراتيجي لكنها بكل تأكيد تخسر الردع التكتيكي.

  • د. حسن البراري - أستاذ العلاقات الدولية بالجامعة الأردنية
المصدر | الغد الأردنية