الأحد 22 سبتمبر 2019 09:48 ص
  • يجد الأمن صعوبة في قمع تظاهرات الحراك التي يصعب تصنيفها.
  • خرجت التظاهرات تحت شعور ضمني بأنها قد تجد دعما من المؤسسات الأمنية.
  • تزامن الحراك مع لحظة تضعضع التحالف السعودي الإماراتي الإسرائيلي الداعم للسيسي.
  • هل نجاح الحراك مرهون بوجود توجه أمني قوي يرفض استمرار نظام السيسي في الحكم ويدعم مطالب الحراك؟
  • لم يرتبط الحراك بقضية سياسية كالإفراج عن المعتقلين واستعادة الشرعية ورفض التنازل عن تيران وصنافير.
  • كشف الحراك أن نقاط قوة السيسي هي نقاط ضعفه فنظام حكم الرجل الواحد زاد خصومه وقلّل أنصاره وسهل استهدافه!

*     *     *

شهدت مصر في مساء أول من أمس الجمعة، 20 سبتمبر/أيلول، أهم مظاهرات جماهيرية عرفتها منذ انقلاب "3 يوليو" في 2013، فلأول مرة تتحول المظاهرات المعارضة لنظام عبد الفتاح السيسي إلى مظاهرات عامة الطابع، يصعب تصنيفها على تيّار بعينه، أو ربطها بعدد محدود من القضايا السياسية.

لم تكن المظاهرات مدفوعة من الإخوان المسلمين وشباب الثورة والتيار المدني، فقد فاقت توقعات هؤلاء جميعا، وخرجت تحت شعور ضمني بأنها قد تجد دعما وسط أركان النظام ومؤسساته الأمنية. كما لم ترتبط بقضية سياسية، كالإفراج عن المعتقلين، أو استعادة الشرعية، أو رفض التنازل عن جزيرتي تيران وصنافير.

بل كانت ضد حكم الرئيس عبدالفتاح السيسي، وضد أسلوب إدارته البلاد، وسياسات التقشف التي اتبعها في الوقت الذي بنى فيه قصورا عديدة، كما كشفت تسريبات المقاول محمد علي، وكما اعترف السيسي على نفسه.

صعوبة تصنيف تظاهرات الحراك هي من عوامل نجاحها، فمؤسسات الأمن تجد صعوبة في قمع التظاهرات الجماهيرية التي يصعب تصنيفها. ويزيد من فرص نجاح مظاهرات 20 سبتمبر أنها كشفت عن أهم نقاط ضعف النظام المصري، والتي كان يعتقد أنها مصدر قوته.

فمنذ يوليو/تموز 2013، والسيسي يبني نظاما سياسيا على قدر كبير من الاختلاف مع نظام حسني مبارك، والذي ورث نظام التعدّدية الشكلية من أنور السادات، وعاش فترة القطبية الأحادية، وما شهدته من ضغوط للتحول نحو الانفتاح الاقتصادي والديمقراطية.

لذا بنى مبارك نظاما تعدّديا زائفا، يعتمد على رأسمالية مصطنعة فاسدة، وحزبا حاكما يضم أقوى تلك النخب بعد تنافسها مع بعضها في انتخابات مجلس الشعب، والذي ضم تحت قبته نخب النظام ومعارضيه في آن.

حافظ مبارك على قدر من المؤسسات، وعلى هامش من حرية الحركة للجميع. ولذا لما انتفضت ضده الجماهير في 25 يناير (2011)، تردّد كثيرون في الانضمام للمظاهرات، بما في ذلك جماعات المعارضة التقليدية، كقادة الإخوان والسلفيين والأحزاب المدنية التقليدية، وقطاعات واسعة من الجماهير الخائفة من التغيير.

أما السيسي فقد جاء مدعوما من إسرائيل والسعودية والإمارات، ووجد دعما غير مسبوق في ما بعد من الرئيس الأميركي اليميني المتشدد، دونالد ترامب، وخشي أن يلقى مصير مبارك، لو سمح بقدر من التعدّدية السياسية.

لذا قرّر بناء نظام حكم الرجل الواحد، نظام بلا حزب حاكم أو انتخابات حقيقية أو برلمان له أي وزن، وأي استقلالية لحكومته ونخبه الاقتصادية والإعلامية. كل شيء بات بالأمر المباشر من السيسي والشخصيات الأمنية الموالية له.

كشفت مظاهرات 20 سبتمبر/أيلول (2019) أن نقاط قوة السيسي هي نقاط ضعفه. لأن نظام حكم الرجل الواحد زاد من خصومه، وقلّل من أنصاره، وسهل استهدافه.

والدعوة الذكية إلى هذه المظاهرات، كما صاغها المقاول محمد على، استهدفت السيسي كفرد، وليس نظامه أو مؤسساته، وأعطت شعورا بأن التغيير أسهل مما قد يتصور كثيرون، لأنها ركزت على المطالبة بتغيير شخص واحد وبعض المقرّبين منه مع الحفاظ على النظام، وإجراء مصالحة تشمل الجميع، إلا من تلوّثت أيديهم بالدماء.

ولكي ينجح الحراك الجماهيري في تحقيق أهدافه يحتاج لعدة عوامل رئيسية أهمها وجود قيادة للمظاهرات، تستطيع حشدها وتوجيهها في المسار المطلوب، والتعبير عن قضاياها.

وهنا يبرز الدور الذي أدّاه محمد علي، والذي لعب على ثلاثة أفكار جديدة:

- أولها التركيز على فساد النظام، وهي القضية التي مسّت قطاعات واسعة من الشعب المصري غير المسيس في غالبيته، والذي عانى بشدة من تبعات سياسات التقشف التي اتبعها السيسي.

- ثانيها تركيزه على فكرة إطاحة السيسي والحفاظ على النظام وإجراء المصالحة.

- ثالثها حديثه على العمل مع النظام نفسه ومطالبته للقوات المسلحة بالتدخل، وحديثه الغامض عمّن يساعدونه ويعملون معه.

وكأنه يعطي انطباعا ضمنيًا بأن نخبًا في النظام تعمل معه، خصوصا في ظل الإعلانات أخيرًا عن دعم المظاهرات من صفحات إلكترونية لشخصيات معروفة، كالرئيس السابق لأركان الجيش المصري، والمعتقل حاليا، سامي عنان.

ولا يجب هنا التقليل من الدور الذي لعبته المعارضة التقليدية في معارضة النظام خلال السنوات الست الماضية. لكن هذه المعارضة باتت منهكة بعد حملة استهداف رهيبة.

بالإضافة إلى معاناتها من عيوب هيكلية، كبقية عناصر النظام السياسي المصري، تتمثل في ضعف التأسيس وكثرة الصراعات الداخلية والبينية. وعموما تبدو المعارضة التقليدية راضية حاليا بتحقق مطالب أولية، كالإفراج عن المعتقلين، وإحداث انفراجة سياسية تؤدّي إلى تغيير تدريجي.

ولعل التمسّك بهدف التغيير التدريجي نحو الديمقراطية هو الهدف الأهم والأكبر، والذي يجب أن تحشد المعارضة المصرية نفسها حوله بذكاء، فالتغيير المستمر نحو الديمقراطية ولو بشكل بطيء، لكنه ثابت ومنظم، هو الهدف.

وليس كتابة دساتير أو عقد انتخاباتٍ يمكن الانقلاب عليها بسهولةٍ في غياب المؤسسات والممارسة الديمقراطية الراسخة والإجماع الشعبي على الإصلاح السياسي.

العامل الآخر لإنجاح الحراك هو وجود سياق دولي داعم، والواضح هنا أن العالم يعيش أسوأ فترات التراجع الديمقراطي منذ انهيار الاتحاد السوفييتي، خصوصا مع صعود رئيس أميركي محسوب على اليمين المتطرّف إلى سدة الحكم.

رئيس أميركي يحتفل بالسيسي "كديكتاتوره المفضل". هذا بالإضافة إلى ترسخ بنية الاستبداد في الإقليم من خلال التحالف السعودي الإماراتي الإسرائيلي.

في المقابل، تزامنت مظاهرات 20 سبتمبر/أيلول مع لحظة ضعف واضحة في التحالف السعودي الإماراتي الإسرائيلي الداعم لنظام السيسي. حيث يواجه نتنياهو تحدّيات سياسية في الداخل واتهامات بالفساد، قد تُعجزه عن الاستمرار في الحكم.

وتواجه السعودية والإمارات مأزقا أمنيا في اليمن، ومواجهة سياسية وأمنية مستعرة مع إيران. ويعيش ترامب لحظة عزلة دولية وداخلية واضحة، بسبب سياساته الأحادية وعدم احترامه مؤسسات الحكم الأميركية.

هنا يجب التذكير بأن النظام الدولي لم يدعم تخلي مبارك عن الحكم في 11 فبراير/شباط 2011، بقدر ما دعم استمرارية النظام المصري بتشجيع نائبه عمر سليمان على تولي الحكم في البداية، ثم الترحيب بتولي المجلس العسكري مقاليد البلاد، بعد أن قرّر الأخير إطاحة مبارك وسليمان معا.

كما يتضح العنصر الأهم في معادلة التغيير السياسي في مصر، متمثلا في دور المؤسسات الأمنية، وتحديدا القوات المسلحة، فقرار الجيش التخلي عن مبارك، ورفض تولي عمر سليمان الحكم بعده، هو الذي وضع نهاية لحكم مبارك ولطموحات سليمان.

ووضع مقاليد الأمور بيديّ وزير الدفاع في حينه، المشير محمد حسين طنطاوي، والذي قاد، بالتعاون مع الضباط الموالين له، عملية التفافٍ على إرادة الجماهير، تمثلت في رفض التخلي عن الحكم، وحلّ مجلس الشعب المنتخب، ثم الانقلاب على الرئيس الراحل محمد مرسي في عهد السيسي الذي يُظهر ولاءه لطنطاوي باستمرار.

الجيش وقياداته المسيطرة (فريق طنطاوي والسيسي وأتباعهما) هم من حسموا مسار التغيير السياسي في مصر منذ 25 يناير بالشكل المؤسف الذي سار عليه.

والواضح أن هذا الفريق واجه تحدّيات داخل المؤسسات الأمنية نفسها، تمثلت في مواقف شخصيات، كسامي عنان وأحمد شفيق، وضباط المخابرات العامة والقوات المسلحة الذين قمعهم النظام خلال السنوات الستة الأخيرة.

وهذا يعني أن نجاح مظاهرات 20 سبتمبر مرهون بعامل رئيسي، هو انشقاق تيار قوى داخل المؤسسات الأمنية، رافض استمرار فريق السيسي وأنصاره في الحكم وداعم مطالب الحراك.

وهي عزل قمة النظام، ومحاسبة من تلوّثت أياديهم بالدماء، وإجراء مصالحة سياسية واسعة، والحفاظ على استقرار البلاد، ومكافحة الفساد، والتحول إلى دولة مؤسسات حديثة وديمقراطية.

  • علاء بيومي - كاتب باحث سياسي مصري
المصدر | العربي الجديد