الاثنين 7 أكتوبر 2019 06:35 ص

أدى القتل الوحشي الذي تعرض له الصحفي "جمال خاشقجي" في القنصلية السعودية في اسطنبول، في 2 أكتوبر/تشرين الأول 2018، إلى تحطيم صورة المملكة وعرض الرياض إلى هجوم هائل.

وبينما لم يتم إدانة القتلة في المحاكم السعودية، اعترف ولي العهد "محمد بن سلمان" بمسؤوليته تقريبا. وشملت المقابلة التي أجراها معه برنامج "بي بي إس"، مؤخرا، اعترافا كان ينبغي أن يخرج قبل عام، حيث اعترف الأمير بأن الجريمة حدثت أثناء مسؤوليته، لكنه تابع القول إن هناك 3 ملايين سعودي يعملون في القطاع العام، وأن رؤساءهم يتحملون المسؤولية إذا قام أحدهم بجريمة.

محاكمة سرية

وبعد مرور عام على جريمة القتل، لم تتم إدانة الجناة أو رئيسهم الذي أصدر الأوامر. ولم تصدر المحاكمة السرية لـ11 متهما حكمها بعد. وقد اختفى "سعود القحطاني"، أحد المساعدين الرئيسيين لـ"بن سلمان"، المصنف كواحد من المشتبه بهم، عن الأنظار العامة، بينما يتمتع ولي العهد بالاحتفاء والتهليل في الأحداث الشعبية التي تم تنظيمها بعناية، بما في ذلك الاحتفال باليوم الوطني للمملكة العربية السعودية في 23 سبتمبر/أيلول.

ومع ذلك، بينما تستمر "الحياة كالمعتاد" في المملكة ظاهريا، فقد غيرت "جريمة القرن" الكثير من الأشياء. لقد كانت الجريمة محفزا يذكر العالم بالطبيعة الغادرة لنظام محبب منذ وقت طويل لحلفائه الغربيين. ومع ذلك، لم تغير الولايات المتحدة أو المملكة المتحدة، أو الشركاء الآخرون، من علاقاتهم الحميمة مع المملكة لمجرد صحفي تم قتله.

وبعد كل شيء، تعرض الآلاف من الرجال والنساء والأطفال اليمنيين للقصف على مدى الأعوام الـ5 الماضية، دون أن يهتز ضمير أولئك الذين يسلحون المملكة ويدعمون غاراتها الجوية.

ويسود الواقع السياسي ضد ضجة المجتمع المدني العالمي ووكالات الأمم المتحدة التي أجرت تحقيقاتها الخاصة في مقتل "خاشقجي" والحرب على اليمن. وكان من الواضح أن قضية "خاشقجي" لن تغير القواعد الأساسية للعبة.

لكن على الصعيد المحلي، تحطمت الثقة بين القيادة السعودية والشعب بشكل دائم. وكشفت جريمة القتل عن الحالة العميقة التي أسس لها "محمد بن سلمان"، الذي استولى على السيطرة على المملكة من ابن عمه المخلوع "محمد بن نايف"، فضلا عن السيطرة على مواطنيها وتوسيع شبكة الاعتقالات لإلقاء القبض على النقاد والمعارضين ومؤسسي المجتمع المدني، تحت ستار "مكافحة الإرهاب".

"ربما فعل"

ولسوء حظ "بن نايف"، كان قد أصبح شخصا غير مرغوب فيه على الرغم من كونه المرشح المفضل لوكالة الاستخبارات المركزية لخلافة الملك "سلمان". وتم إقالة "بن نايف" في الوقت الذي اشتبك فيه الرئيس الأمريكي "دونالد ترامب" مع استخباراته وتبنى ترقي "بن سلمان" إلى المناصب العليا في المملكة.

حتى إن "ترامب" قد رفض قبول حكم أجهزة استخباراته الخاصة بشأن مقتل "خاشقجي"، متجاهلا الأدلة والمكالمات الهاتفية التي تم اعتراضها، وخلص إلى أنه "ربما" كان لديه معرفة بالحدث، "وربما لم يكن".

ورأى "ترامب" أن "بن سلمان" هو مفتاح تحقيق نوع من السلام بين الإسرائيليين والفلسطينيين، كجزء من خطة ينسقها صهره "جاريد كوشنر"، دون إشراك الفلسطينيين أنفسهم.

وكانت الخطة قد وُلدت ميتة، حيث قدمها "كوشنر" الذي يفتقر إلى الخبرة، وتبناها ولي العهد الصاخب الذي لم يهتم كثيرا بالقدس أو فلسطين. لقد أراد تعزيز سلطته المحلية، وهو ما فعله في فترة قصيرة بين عامي 2015 و2017. كما أراد القضاء على المنافسين الخليجيين، مثل الأمير القطري "تميم".

وكانت جريمة قتل "خاشقجي" مجرد رمز للتفكير الخاطئ والجرأة والوحشية التي يتسم بها ولي العهد، الذي أثبت قدرته على إهانة أقاربه تحت ستار "مكافحة الفساد".

وقد هيأ ببلطجته ضد النخبة الثرية للطرح العام الأولي لـ 5% من شركة النفط السعودية "أرامكو"، المملوكة للدولة، لتمويل أهداف "رؤيته للمملكة لعام 2030. وبالطبع فإن الأمراء ونخبة رجال الأعمال، الذين تم احتجازهم في فندق "ريتز كارلتون" قبل عامين، مرعوبون من احتمال فقدان ثرواتهم المفرطة، فضلا عن رؤوسهم، إذا ما حاولوا المقاومة.

رسالة واضحة

وقد بعث قتل "خاشقجي" برسالة واضحة لجميع المواطنين، بما في ذلك أفراد الأسرة المالكة. ويستمد هذا النظام الأسلوب السابق للسياسة الملكية، أي مبدأ العصا والجزرة، التي نجحت إلى حد ما في احتواء الأصوات المخالفة وحصلت للنظام على صورة الديكتاتورية الخيرة، التي ترعى مواطنيها. ولكن للأسف، اختفت الجزرة، وتم استبدال العصا بسكينٍ حاد.

وتفسح الإدارة الاقتصادية الجديدة، التي تتضمن إعادة توزيع الثروة، استراتيجية جديدة من التخويف. فإما أن تدفع وتلتزم الصمت، وإما تواجه حظر السفر، أو تواجه العودة إلى فندق "ريتز" أو إلى مكان ما أسوأ من ذلك. وهذا هو الوجه الجديد للمملكة، تحت السيطرة الكاملة للملك الشاب.

وتذكر طبيعة "بن سلمان" الغادرة بحادثة تاريخية سابقة. فهي تذكرنا بتلك اللحظة التي قام فيها جده "عبدالعزيز بن سعود"، بالقضاء على الأشخاص الذين عززوا مملكته، وهم مجموعة من زعماء القبائل المتعصبين، حيث قتلهم واحدا تلو الآخر بعد انتهاء المهمة. وبعدها، استولى على المدن، وقتل الناس في المساجد، وأثار المجازر في أماكن مثل الرياض والطائف وحائل وغيرها.

وفي حين أن هذا التاريخ لم يتم كتابته بشكل صحيح، يعد الملك الشاب بمواصلة هذا التقليد دون عقاب. وربما كان قتل "خاشقجي"، الذي وصفته خطيبته التركية "خديجة جنكيز" بأنه رجل "من القصر"، مجرد بداية. وتزدحم السجون السعودية الآن بسجناء الرأي، والإعدامات في ازدياد.

لا يسلم الموتى

ولا يظهر أن "بن سلمان" يهتم حتى لإكرام الموتى. فقد اختفت جثة "خاشقجي"، ولا توجد علامات على أنه سيتم العثور على أجزاء منها أو إعادتها إلى أسرته لدفنها بشكل صحيح.

وبحسب "علي الدبيسي" مدير المنظمة السعودية الأوروبية لحقوق الإنسان في برلين، لا يزال النظام يحتجز 83 جثة للمحتجزين المقتولين، معظمهم من السجناء الشيعة الذين تم إعدامهم خلف أبواب مغلقة.

وحتى في الحروب الكاملة، يتبادل الأعداء القتلى لتكريم الجنود وعائلاتهم. لكن مملكة "سلمان"، في الوقت نفسه، لا تفلت من العقاب للقتل فحسب، بل أيضا تحرم العائلات من دفن قتلاها.

ويبدو مستقبل المملكة تحت ولي العهد قاتما، على الرغم من كل هذه الضجة حول السياحة والترفيه وغيرها من الفرص الجديدة في الأفق. وسوف يستمر القمع مقرونا بالإصلاح. وقد نبه اغتيال "خاشقجي" العالم إلى كيف أن الملك الشاب مصمم على الحكم بقبضة حديدية.

ويمكن للعدالة الدولية فقط أن تسمح للسعودية بطوي صفحة هذه الحلقة المظلمة، بمحاكمة ولي العهد أمام محكمة العدل الدولية في لاهاي غيابيا. ولا ينبغي أن تقتصر محاكمته على السعي لتحقيق العدالة لـ"خاشقجي"، ولكن أيضا لجرائم الحرب المحتملة في اليمن، القصة المنسية الأخرى.

المصدر | مضاوي الرشيد - ميدل إيست آي