الاثنين 7 أكتوبر 2019 05:55 ص

الديمقراطية العراقية: انتخب من سيسرقك!

الديمقراطية العراقية هي حرية العراقي في انتخاب من سيسرقونه وسيقتلونه إن ثار عليهم.

الوجود الإيراني في السياسة العراقية يعطّل إرادة حقيقية لإخراج البلاد من أزماتها ويستفيد من الفساد ونهب موارد الدولة العراقية!

فشل البرلمان العراقي في عقد جلسة لمناقشة الاحتجاجات بفعل مقاطعة كتل برلمانية تمثل مقتدى الصدر وبعض الطيف السنّي.

يعاني الاقتصاد أزمات بنيوية وانهيار البنية التحتية وجعل تدهور الصناعة والزراعة والتجارة العراق في المرتبة 169 من 180 بميزان الفساد العالمي.

*     *     *

بعد موقف رئيس الوزراء العراقي عادل عبد المهدي الأول الذي امتشق سيف السلطة مهددا به المحتجين، والذي يمكن اعتباره مسؤولا عن حمام الدم الوحشي الذي أغرق العراق خلال الأيام القليلة الماضية، أظهرت الحكومة فجأة تراجعاً في طريقة التعاطي مع الاحتجاجات مصدرة عددا من القرارات لامتصاص الغضب الشعبي العارم.

تضمنت القرارات المعلنة توزيع أراض سكنية على ذوي الدخل المحدود، وخصوصا في محافظة البصرة التي بادرت، العام الماضي، إلى إشعال الاحتجاجات، وزيادة عدد القروض لبناء وحدات سكنية، ودعم الرعاية الاجتماعية لتشمل 600 ألف عائلة، وفتح باب التطوع للشباب في الجيش والشرطة، وهي قرارات «بعيدة المدى»، يمكن لو تم تطبيقها فعلا، أن تخفف بعض آثار الأزمة على الفئات الشعبية الأكثر تضررا.

اتخذت الحكومة أيضا قرارات ذات طابع مؤقت أشبه بالمسكّنات، مثل منح 150 ألفا من العاطلين عن العمل أو لا يستطيعون العمل منحة قدرها 147 دولارا لمدة ثلاثة أشهر.

وكذلك إنشاء أكشاك بيع في مناطق تجارية في بغداد والمحافظات للتوزيع على أولئك العاطلين عن العمل، إضافة إلى اعتبار الضحايا من المتظاهرين والأجهزة الأمنية «شهداء» ومنح عوائلهم الحقوق والامتيازات المترتبة، وتولي وزارة الصحة تقديم الخدمات العلاجية للجرحى على نفقة الحكومة.

بسبب الطبيعة الفاسدة للنظام العراقي فمن شبه المؤكد أن أغلب هذه القرارات سيتم التلاعب بها، وربما ستفتح أيضا مجالات التلاعب والاختلاس والابتزاز للمتنفذين والممسكين بقرارات الحياة والموت في العراق، من أجهزة أمنية وميليشيات مسلحة، تعتبر القرارات، على أي حال تعتبر شكلاً من الإقرار بالمسؤولية وتقبلا لضرورة العمل على حلّ الأزمات المستعصية التي تتناهب العراق.

وهو أمر يفترض الترحيب به خصوصا حين يقارن بمواقف أنظمة عربية أخرى تتمسّك بالحلول الأمنية الوحشيّة حتى النهاية، كما ترفع الحجج البائسة حول «المؤامرات الخارجية» التي ترسمها أمريكا وإسرائيل (إذا كان النظام مصنّفا على المحور الإيراني كما هو حال النظام السوري)، أو «تخططها جماعة الإخوان»، إذا كان النظام منتظما في محور الإمارات والسعودية، كما هو حال نظام الرئيس عبد الفتاح السيسي في مصر.

ينبع موقف المنظومة العراقية من كونها، على مستوى الدستور، مؤلفة من قوى سياسية يفترض أن تعبّر عن مصالح متعارضة للفئات التي تمثلها، على عكس منظومات عربية أخرى تكون فيها الحكومات والبرلمان والقضاء والإعلام كتلة صلدة متماسكة تحكمها الأجهزة الأمنية مباشرة، كما هو الحال في السعودية ومصر وسوريا.

هذه الطبيعة المختلفة للمنظومة العراقية يجعلها، خلال حصول أحداث خطيرة، كما هي الانتفاضة العراقية الراهنة، محكومة بالاختلافات بين القوى المشكلة لها.

وهو ما أدى، على سبيل المثال، إلى فشل البرلمان العراقي في عقد جلسة لمناقشة الاحتجاجات بفعل مقاطعة كتل برلمانية، منها «سائرون»، التي تمثل اتجاه الزعيم الشيعي مقتدى الصدر، و«التحالف الوطني»، التي هي كتلة تعبّر عن بعض الطيف السنّي في البلاد.

وإذا كان هذا الهامش «الديمقراطي» يسمح للضغط الشعبيّ الكبير بالتأثير على بعض القوى ويزحزح مواقعها في نظام «المحاصصة»، بحيث نسمع تصريحا من رئيس البرلمان محمد الحلبوسي يطالب بإعلان أسماء «حيتان الفساد»، فإنه، من جهة أخرى، لا يستطيع أن يزحزح الوقائع الراسخة التي تسيّر هذه المنظومة، ومنها واقعة الوجود الإيراني المقرّر في السياسة العراقية.

وهو وجود يعطّل إرادة سياسية حقيقية لإخراج البلاد من أزماتها، ويستفيد من واقعة النهب والفساد المنظّم لموارد الدولة العراقية، والذي يقدّر بـ450 مليار دولار منذ 2003، والذي جعل العراق الذي يملك احتياطيات من النفط تقدر بـ112 مليار برميل، بلدا فقيرا، بموازنة عجز تزيد عن 30 مليار دولار.

في حين يعاني الاقتصاد من أزمات بنيوية منها انهيار البنية التحتية وانعدام الصناعة وضعف قطاعات الزراعة والتجارة، مما جعل العراق في المرتبة 169 من أصل 180 دولة في ميزان الفساد العالمي.

بهذا المعنى، فإن الديمقراطية العراقية، هي حرية الفرد العراقي في انتخاب من سيسرقونه… وكذلك من سيقتلونه في حال ثار عليهم.

المصدر | القدس العربي