الاثنين 7 أكتوبر 2019 08:49 ص

الأهم لروسيا ما أنجزته لنفسها لا لسوريا

لا تعترف روسيا بأن تدخّلها كان بالغ الفظاعة وجاء ليضاعف جرائم نظام دمشق ومجازره وانتهاكاته.

أول أهداف روسيا إنقاذ النظام السوري من السقوط بأيدي فصائل المعارضة المسلحة والتقت في ذلك مع أمريكا وإسرائيل.

سوريا أعادت روسيا لاعباً دولياً وإقليمياً وباتت محور اتصالات دبلوماسية بعد عزلة وعقوبات ضمّ شبه جزيرة القرم في 2014.

*     *     *

سلّطت روسيا الأضواء أخيراً على الذكرى السنوية الرابعة لتدخّلها في سوريا عام 2015، وسط ارتياح بالغ إلى ما حقّقته لنفسها من الإنجازات والمكاسب، باعتبار أن هذا هو الهدف، أما ما حقّقته لسوريا فلا بدّ أن ينتظر، فذلك شأن آخر لا يهمها إلا بمقدار ما يخدم مصالحها.

وحتى قبل أن تبدأ استشعار الفوائد كان دبلوماسيّوها يقولون صراحة لنظرائهم إن سوريا أعادت روسيا لاعباً دولياً وإقليمياً وجعلت موسكو محور اتصالات دبلوماسية، بعدما كان ضمّ شبه جزيرة القرم في مارس 2014 فرض عليها عُزلة وعقوبات غربية قاسية.

ورغم أن موسكو افتقدت في البداية استراتيجية واضحة للتدخّل، فإنها اكتشفت سريعاً أن فرصاً كثيرة فُتحت أمامها، وإنْ لم تتمكّن حتى الآن من استثمارها للتخلّص من العقوبات والتوصّل إلى تسوية مع الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي في تقاسم النفوذ في أوكرانيا.

لم تنتظر موسكو حلول الذكرى لإحصاء المكاسب، بل أشارت إليها طوال الأعوام الأربعة، لكن من دون أن تعترف بأن الوجه الآخر لهذا التدخّل كان بالغ الفظاعة؛ إذ جاء ليضاعف ما أقدم عليه النظام السوري من جرائم ومجازر وانتهاكات.

فالحصيلة المروّعة تشمل عشرات الآلاف من الضحايا المدنيين ودماراً هائلاً واقتلاعاً للسكان من مواطنهم ومساهمة كبيرة في مأساة اللجوء والنزوح، وتغطيةً لاأخلاقية ولاإنسانية لاستخدام السلاح الكيماوي، فضلاً عن استعداء للشعب السوري ودعم طرف ضد آخر في صراع اتخذ في كثير من جوانبه منحى حرب أهلية.

كان أول الأهداف المعلنة لروسيا إنقاذ النظام السوري من خطر السقوط بأيدي الفصائل المسلحة للمعارضة، وقد التقت في ذلك مع أمريكا وإسرائيل؛ فالمعلوم أن واشنطن تدخّلت أكثر من مرّة لدى أنقرة وغيرها من العواصم لتوقف هجمات المعارضة ومنعها من تشكيل خطر حقيقي على النظام.

وقد ظهر هذا التوافق خصوصاً في توزّع الأدوار تحت عنوان «محاربة الإرهاب»، فبينما تولّى التحالف الدولي بقيادة أميركية ضرب تنظيم «الدولة» في شمال شرقي سوريا، انصرف الروس إلى تصفية المعارضة السورية وفصائلها المقاتلة للنظام.

ومع أن الجانبين الأميركي والروسي تشاركا صوغ «حل سياسي» وُضِعت أسسه في القرار 2254، فإن روسيا استعادت العمل بنموذجها الشيشاني التدميري بهدف حسم عسكري أصبح مؤكداً أنه سيتحكّم بالحل السياسي شكلاً ومضموناً، تحديداً بعدما اختُصر بـ «اللجنة الدستورية».

لذلك لا يبدو أن بقاء الأميركيين في شمال شرقي سوريا أو تعثّر الاتفاق الروسي مع تركيا بشأن إدلب يثيران قلق موسكو على «الحل السياسي»، فهي تحتاجه فقط لإلقاء عبء المرحلة التالية للأزمة السورية على الآخرين، سواء في ما يتعلّق بإعادة الإعمار أو إعادة تأهيل النظام، أما هل يعيد «الحل» السلام والاستقرار إلى سوريا، فهذا ما لا تستطيع موسكو ضمانه.

كل ما يهمّها الآن أن حربها في سوريا وفّرت لها حقول تجريب 300 سلاح جديد أنتجتها مصانعها، و«هذا مما لا يُقدّر بثمن»، بحسب فلاديمير بوتين؛ إذ غدت روسيا منافساً قوياً للولايات المتحدة وغيرها في أسواق السلاح.

وإذ مكّنتها هذه الحرب من تعزيز «شراكة» بينها وبين إيران، رغم استياء الأخيرة من التنسيق الروسي-الإسرائيلي ضدّها، فقد كان الأهم أنها مكّنتها أيضاً من اجتذاب تركيا واختراق تحالفها مع الولايات المتحدة والحلف الأطلسي، وهذا بحدّ ذاته إنجاز استراتيجي ضخم لروسيا في صراعها مع الغرب.

* عبد الوهاب بدرخان كاتب صحفي لبناني

المصدر | العرب القطرية