الثلاثاء 8 أكتوبر 2019 05:23 ص
  • هل تراجعت شعبية الحركة الإسلامية في تونس؟
  • رسائل الشارع التونسي خلال الامتحانات الانتخابية الأخيرة بالغة الأهمية يتوجب قراءتها بدقة متناهية.
  • يؤيد الشارع الاسلاميين لكنه ليس تأييداً أعمى ويدعمهم في المشاركة بالسلطة لكنه يعارض الاستئثار بها.
  • نتائج الانتخابات التشريعية التونسية تستكمل رسالة الشارع في انتخابات الرئاسة وينبغي للحركة الإسلامية فهمها جيداً.
  • لماذا لم يصوت التونسيون لحركة النهضة في انتخابات الرئاسة بينما أعطوها أصواتهم في التشريعية؟ وما هي رسالة الشارع؟

*     *     *

تصدرت حركة النهضة (الإسلامية) الانتخابات التشريعية في تونس بعد أيام قليلة من انتكاسة منيت بها في انتخابات الرئاسة، أدت إلى عدم حصول مرشحها للرئاسة الشيخ عبد الفتاح مورو أصواتا تكفي لأن تصعد به حتى إلى الجولة الثانية، وهو ما يعيد الحيرة والضبابية حول سؤال: هل تراجعت شعبية الحركة الإسلامية في تونس؟

ظاهر الأمر أن الحركة خرجت من الانتخابات الرئاسية بتراجع، وخرجت من التشريعية بانتصار، وبات في حكم المؤكد أنها ستتكلف بتشكيل الحكومة الائتلافية المقبلة، إذ بموجب الدستور فإن الحزب الذي يحصل أعلى المقاعد يتوجب أن يُشكل الحكومة، التي يتوجب أن تحظى بثقة البرلمان، ما يعني أنها ستكون حكومة ائتلافية، لكن «النهضة» سترأسها وتُشكلها وتطلب ثقة البرلمان بها.

في الانتخابات الرئاسية حصلت حركة النهضة على أقل من 13% من أصوات الناخبين، لكن هذه النسبة قفزت في «التشريعية» بشكل كبير وملموس، أدى بالحركة الى الاستحواذ على نحو 20% من البرلمان (45 مقعداً) رغم أن التوقعات داخل حركة النهضة كانت أقل من ذلك بكثير!

وهو ما يعيد السؤال حول شعبية الحركة، وما إذا كانت قد تراجعت أم ارتفعت، وما الذي يجري في تونس فعلاً؟ وكم هو الحجم الحقيقي لتأييد النهضة في الشارع؟

من المستحيل طبعاً أن تكون شعبية حركة النهضة قد تغيرت بالزيادة أو النقصان خلال أيام قليلة، ومن الطبيعي أن تحصل على نسب متجانسة في كل من الانتخابات الرئاسية والتشريعية، ما دامت كل منهما قد جرت بالتزامن تقريباً، لكن هذا لم يحدث.

والسؤال هنا: لماذا لم يصوت التونسيون لحركة النهضة في الانتخابات الرئاسية، بينما أعطوها أصواتهم في التشريعية؟ وما هي رسالة الشارع؟

واقع الحال أن شعبية حركة النهضة لم تتراجع في تونس، وجمهورها لم يتقلص، لا بل مؤشرات الانتخابات التشريعية واضحة بأن الجمهور المؤيد للحركة الإسلامية قد ازداد ومنحها الثقة من أجل أن تشكل الحكومة.

أي أن تحكم البلاد في نهاية المطاف، رغم كل حملات التشويه والتحريض التي تعرضت لها الحركة خلال الفترة الماضية. كما أن اللافت هنا هو أن حزب «قلب تونس» الذي تفوق في «الرئاسية» عبر زعيمه المسجون نبيل القروي، فشل في أن يتفوق على حركة النهضة في «التشريعية»، وبدا أن الفارق كبير بينهما.

ما حدث في تونس خلال الامتحانات الانتخابية الأخيرة بالغ الأهمية، ورسائل الشارع يتوجب قراءتها بدقة متناهية، ويبدو لأي مراقب أن ما حدث مرده إلى ما يلي:

أولاً: حركة النهضة لم تفقد شعبيتها في الشارع، كما بدا في الانتخابات الرئاسية، بل جمهورها ازداد وظهر ذلك جلياً في الانتخابات التشريعية، لكن التونسيين لا يرغبون برئيس إسلامي، وإنما يريدون «رئيساً رمزاً»، حاله حال الباجي قايد السبسي، الذي كان بالنسبة لكثيرين رمزاً للبلاد، أكثر منه حاكماً لها. ولذلك اختاروا من بين المرشحين أكاديميا مستقلا ذا شخصية هادئة وبعيدا عن أي استقطابات حزبية.

ثانياً: يبدو أن قرار حركة النهضة بالمشاركة في الانتخابات الرئاسية كان متسرعا، ولم يتم الإعداد له شعبياً بشكل جيد، وربما أيضاً كان مرشح الحركة لا يحظى بالقبول اللازم لدى جمهورها، ولذلك فإن نسبة من جمهورها التقليدي، وربما من عناصرها لم يصوتوا له، إما لعدم القناعة بالقرار أو لعدم تأييد المرشح.

ثالثاً: يبدو أن التجربة المصرية لا تزال ماثلة في أذهان التونسيين، سواء من كان منهم منتمياً أو مؤيداً للحركة الإسلامية، إذ كان قرار الانتحار بالنسبة للإخوان المسلمين في مصر هو خوض الانتخابات الرئاسية، بعد شهور من إطلاقهم الوعود بأنهم لن يقتربوا من كرسي الرئاسة، وأنهم سوف يتمترسون في البرلمان والحكومة فقط.

من المهم طبعاً الاعتراف بأن حركة النهضة أخذت قرارها بخوض الانتخابات الرئاسية على حين غرة، وبشكل مفاجئ، وأعلنت اسم مرشحها لهذه الانتخابات أيضاً بشكل مفاجئ، وهو قرار كانت نتيجته ستكون مريرة بالنسبة للنهضة على جميع الأحوال، سواء فازت أم خسرت.

خلاصة القول، هو أن نتائج الانتخابات التشريعية التونسية مهمة وتشكل استكمالاً لرسالة الشارع في انتخابات الرئاسة، وهي رسالة يتوجب على الحركة الإسلامية أن تفهمها جيداً وتقرأها بعناية فائقة، فالشارع في تونس وربما في العديد من الدول العربية، لا يزال يؤيد الاسلاميين، لكنه ليس تأييداً أعمى، كما أن الشارع يدعمهم في المشاركة بالسلطة لكنه يعارض الاستئثار بها والاستحواذ عليها بشكل كامل.

  • محمد عايش - كاتب فلسطيني
المصدر | القدس العربي