الخميس 10 أكتوبر 2019 06:04 ص

أدت الهجمات التي وقعت قبل فجر يوم 14 سبتمبر/أيلول إلى توقف أكثر من نصف إنتاج النفط السعودي، أو نحو 5.7 مليون برميل يوميا، أي ما يعادل 5% من إمدادات النفط العالمية.

وقد أعلن الحوثيون في اليمن مسؤوليتهم عن هذا الهجوم الجريء، لكن السعودية والولايات المتحدة ألقتا باللوم على إيران، ووضعتا الشرق الأوسط على شفا الحرب.

وفي بيانه الأولي، حمل وزير الخارجية الأمريكي "مايك بومبيو" إيران مسؤولية الهجوم، أما الرئيس "دونالد ترامب"، فقد أرسل رسائل مختلطة معلنا أن الولايات المتحدة مستعدة للرد على الهجوم، لكنه عاد وصرح بأنه يود تجنب الحرب مع إيران، وأنه سيترك للسعوديين مسؤولية اتخاذ القرار.

وفي 18 سبتمبر/أيلول، أعلنت وزارة الدفاع السعودية أن الهجوم كان "مدعوما بلا أدنى شك" من قبل طهران، وعرضت حطاما للطائرات بدون طيار وصواريخ كروز لإثبات أنها من أصل إيراني، وقال المتحدث باسم الوزارة، العقيد "تركي المالكي"، في مؤتمر صحفي، إنه قد تم استخدام ما مجموعه 25 طائرة بدون طيار وصاروخ كروز في الهجوم. وقال: "تم شن الهجوم من الشمال، وبرعاية لا شك فيها من قبل إيران"، لكنه أكد أيضا أن التحقيق الدقيق في المكان الذي تم إطلاق الهجمات منه لا يزال جاريا، وأنه سوف يتم الإعلان عن النتيجة في وقت لاحق.

تصعيد غير مسبوق

ومع ذلك، رأى معظم المراقبين أن هذه الهجمات تعد تصعيدا غير مسبوق في المنافسة بين إيران والسعودية على السلطة والنفوذ في الشرق الأوسط، كما تم اعتبارها تحديا من إيران للولايات المتحدة، لأن واشنطن هي حليف الرياض الرئيسي والداعم الأمني ​​الرئيسي للمملكة.

والأهم من ذلك، أن الهجمات كانت على ما يبدو جزءا من التحركات المتبادلة التي اتخذتها واشنطن وطهران ضد بعضهما البعض منذ أعلنت الولايات المتحدة انسحابها من خطة العمل الشاملة المشتركة في مايو/أيار 2018، وقيامها بإعادة فرض العقوبات الصارمة على إيران.

وردا على ذلك، تجاوزت طهران تدريجيا الحدود التي قبلتها في الخطة بالنسبة لمستوى وكمية تخصيب اليورانيوم، وذكر أحدث تقرير للوكالة الدولية للطاقة الذرية، الذي صدر في 30 أغسطس/آب، أن إيران قد جمعت 241.6 كيلوغرام من اليورانيوم المخصب، وخصبته بنسبة تصل إلى 4.5%، وبذلك تكون قد تجاوزت الحدود التي وضعها الاتفاق وهي 202.8 كيلوغراما من اليورانيوم المخصب نسبة تبلغ 3.67% فقط.

وعلى الرغم من أن هذا لا يقترب من نسبة التخصيب البالغة 20% التي وصلت إليها إيران قبل توقيع الاتفاق النووي، لكنها إشارة واضحة إلى أن طهران مستعدة لتحدي الحد الذي فرضته عليها خطة العمل ما لم تغير الولايات المتحدة موقفها أو يوافق الأوروبيون على تعويضها عن عن الخسارة التي تكبدتها بعد قطع صادراتها النفطية.

وأشارت عدة حوادث تتعلق بهجمات على الشحن في "مضيق هرمز" إلى تصعيد نسبي من قبل إيران، وكانت تلك إشارة إلى أن إيران لن تتردد في الانتقام عبر استهداف المنشآت الأمريكية ومنشآت حلفاء الولايات المتحدة في الشرق الأوسط. وقد وقع الهجوم على منشآت النفط السعودية في نفس الإطار، على الرغم من أن الهجمات الأخيرة كانت أكثر خطورة.

ومع تجاهل الاختلاف حول الموقع الدقيق لإطلاق الصواريخ والطائرات المستخدمة في الهجوم، من الواضح أن الأسلحة المستخدمة كانت من صنع إيراني، وأن الحوثيين أو الميليشيات الشيعية العاملة في العراق لا يمكن أن يقوموا بهذه الهجمات دون إشراك خبراء إيرانيين.

ومع ذلك، يبدو أن هذا التصعيد قد أدى إلى عواقب غير مقصودة. ويبدو أن إيران قد نجحت في إرسال رسالة مفادها أن أي محاولة من جانب الولايات المتحدة لمهاجمة إيران عسكريا ستكلف الولايات المتحدة وحلفائها الإقليميين، خاصة المملكة العربية السعودية. وتعززت هذه الرسالة مع فشل إدارة "ترامب" في الرد بشكل ملموس على الهجمات التي طالت أكثر الأهداف السعودية حساسية.

وأدى تتابع الأحداث هذا إلى تآكل الثقة في الولايات المتحدة من قبل حلفاء آخرين لواشنطن في الخليج العربي، والذين كانوا يظنون أن واشنطن ستأتي لمساعدتهم إذا شعروا أن أمنهم مهدد، وأرسل التقاعس الأمريكي بعد الهجمات على أصول النفط السعودية رسالة واضحة مفادها أن "ترامب" لا ينوي الانخراط في تورط عسكري آخر مكلف في الشرق الأوسط لتوفير الأمن لحلفائه.

علاوة على ذلك، تبدو الرسالة واضحة بأن الولايات المتحدة غير مستعدة للتدخل عسكريا حتى لتجنب الآثار الاقتصادية السلبية لتعطل إمدادات النفط. وينظر معظم المراقبين في الخليج إلى التردد الأمريكي في التصرف في مواجهة ما يعتبرونها "استفزازات" إيرانية كنتيجة طبيعية لقرار "ترامب" إعادة الجنود الأمريكيين إلى الوطن، واكتسب هذا التفسير وزنا في ضوء المحاولات اليائسة لإدارة "ترامب" لإيجاد صيغة لحفظ ماء الوجه من خلال المحادثات مع طالبان لفك الارتباط الأمريكي بأفغانستان.

إعادة التفكير

ويبدو أن كل هذا دفع حكام السعودية وغيرها من دول الخليج إلى إعادة التفكير بجدية في الكثير من الأمور، وتؤكد تقارير موثوقة مؤخرا أن حاكم السعودية الفعلي، ولي العهد "محمد بن سلمان"، قد اتصل برئيسي الوزراء الباكستاني والعراقي وطلب منهما التوسط في بدء محادثات مباشرة رفيعة المستوى بين السعودية وإيران، من أجل الحد من التوترات بينهما.

من جانبها، رحبت إيران بالإيماءات السعودية، قائلة إنها منفتحة على المحادثات مع المملكة، لأن هذا قد يساعد طهران على فصل السعودية عن الولايات المتحدة، وبالتالي تخفيف الضغط الإقليمي على طهران.

وبالنظر إلى تردد أمريكا الواضح في مساعدة السعودية في حالة المواجهة مع إيران، يبدو أن القادة السعوديين قد قدروا أن من مصلحتهم إيجاد تسوية مع طهران قبل أن يصبح الوضع الاستراتيجي أكثر سوءا. ويبدو أن "بن سلمان" تبع مرة أخرى خطى ولي عهد أبوظبي "محمد بن زايد"، الذي اتخذ خطوات لتحسين العلاقات مع إيران عبر الحد من المشاركة الإماراتية في الصراع اليمني، وقد تكون بدايات التقارب السعودي الإيراني أيضا هي بداية النهاية للمغامرة الكارثية التي يقوم بها "بن سلمان" في اليمن.

لكن كيف سيؤثر هذا كله على السياسة الأمريكية المتمثلة في ممارسة "أقصى قدر من الضغط" على إيران لإجبار الأخيرة على التخلي تماما عن خططها لتخصيب اليورانيوم، ووقف برنامجها للصواريخ الباليستية، ووقف دعمها لوكلاء وحلفائها في الشرق الأوسط؟ حسنا، لابد من الوضع في الاعتبار أثناء الإجابة على هذا السؤال أن السعودية كانت أساس الاستراتيجية الأمريكية تجاه إيران، لذا فإن أي جفاف في علاقات واشنطن مع الرياض لا بد أن يعود بالفائدة على طهران، ويجب أن تحفز احتمالات حدوث ذلك إدارة "ترامب" على إعادة تقييم سياستها الخاصة المتمثلة في العداء التام تجاه إيران، والبحث عن سبل، بما في ذلك عبر القنوات الخلفية، لبدء محادثاتها الخاصة مع إيران، من أجل إيجاد طريقة للتوفيق بين المطالب الأمريكية والمتطلبات الإيرانية.

المصدر | محمد أيوب - ناشيونال إنترست