الخميس 10 أكتوبر 2019 03:07 م

الرؤية الاقتصادية قصيرة النظر لأمير النفط

قال محمد بن سلمان عندما اطلق "رؤيته" بأنه يظن ان المملكة تستطيع العيش بدون نفط بحلول 2020.

لا تتعلق خطة بن سلمان بدعم الصناعات الوطنية والإنتاج، بل بخلق واحات استثمارية مهيمَن عليها من قبل الدولار.

التنوع المقصود هو من ريع البترودولار الى ريع الاستثمارات الرثة، المرتبطة بالمنظومة المالية العالمية.

هل تصبح الصورة في السعودية: حقوق مدنية وحريات شخصية لسياح ومقيمين قادمين من الغرب مع تحرر نسبي لطبقات مترفة من المواطنين؟

*     *     *

بقلم | موسى السادة

أحد أبرز العناوين البراقة التي استخدمها محمد بن سلمان في الحملة الإعلامية الموجهة للترويج لرؤيته هو "تنويع الإقتصاد"، معلناً عن بداية عصر جديد بعيداً عن الإعتماد الكلي على بيع النفط كمورد إقتصادي أول ويكاد يكون الوحيد لخزينة الدولة، ليصرح قبل أربع سنوات وهو غارق في خَيلائه بأنه يظن أن المملكة تستطيع العيش بدون نفط بحلول عام 2020.

 

إدمان النفط.. إدمان الدولار

اعتبر الأمير الشاب الاعتماد السعودي التام على موارد البترودولار بأنه إدمان على النفط، وبأن هذا الإدمان خطير جدا على السعوديين، وعليه فإن الحل هو في إيجاد موارد بديلة. ووفقاً له فإن هذه الإيرادات ترتكز على مصدري دخل هما الاستثمارات والرسوم والضرائب الحكومية.

أي أن التنويع الذي تطمح له "الرؤية" هو عبارة عن اجترار - على طريقة الإبل - لمليارات الدولارات القادمة من ريع البترودولار، لكن على شكل جباية من جيوب المواطنين والمقيمين أو عبر استثمارات خارجية أو داخلية أساسها التعامل بالدولار الأمريكي.

جرى الافتراض بأن هذه الإستثمارات ستتوفر عن طريق وعود أغدقت تدعو الى انشاء مشاريع كبرى (مدينة "نيوم" إحداها). وهي وعود فتحت بشكل مهول شهية كبريات الشركات الغربية متعددة الجنسيات. وهكذا ومع "الرؤية" الاميرية فإن الرأسمال الغربي يتوجه الى احتلال السوق السعودي مهدداً بالقضاء على المستثمرين الصغار داخل المملكة نفسها.

مشاريع التحرير والخصخصة ستسفر عن تغير كبير في دور السعودية ومكانتها، فهو كان يدور حول تصدير النفط وعلى ما يسمى بمحاربة الإرهاب.

الجانب الأول وَهَن مع استخراج النفط الصخري بكثافة ويسر، وأصبح الدور الوظيفي للنفط السعودي هو خدمة مصالح الولايات المتحدة الامريكية عبر اللعب بالأسعار ومعادلات العرض والطلب.

أما الثاني فهو الى ضمور مع اقصاء الوهابية والضخ السلفي الذي كان يعطي للإستخبارات السعودية أهمية بفعل قدرتها على التغلغل داخل الجماعات الإسلامية. ليصبح الدور الرئيسي للسعودية يتلخص في كونها واحة إستثمارية.

التأجيل المتكرر في الاقدام على طرح أسهم الشركة الوطنية للنفط "أرامكو" في السوق، والمبالغات التي أحاط بها محمد بن سلمان هذه العملية كمصدر سريع لتوفير العملة الصعبة ("الدولار") والتي ستستخدم في تمويل المشاريع الجديدة، هو شكل التنويع الإقتصادي الذي يراد تطبيقه.

لا يتعلق الأمر إذاً بدعم الصناعات الوطنية والإنتاج، بل بخلق واحات استثمارية مهيمَن عليها من قبل الدولار. أي ان التنوع المقصود هو من ريع البترودولار الى ريع الاستثمارات الرثة، المرتبطة بالمنظومة المالية العالمية.. بشكل ناسخ لنموذج محمد بن راشد في دبي الذي هوى مع أول ازمة مالية عاشها في عام 2008 ونجا عبر الحماية البترودولارية من أبوظبي.

 

عقلية "البرجوازية" الخليجية

تنطلق العقلية "البرجوازية" الخليجية - كغيرها لكثير من "برجوازيات" عالم الجنوب - من تسليم تام بدورها الهامشي في التاريخ أمام المركز الغربي، وأقصى محاولة لإعادة التموضع لا تتعدى كونها تسلقاً من داخل هذه التراتبية نفسها.

وأما منظور التطور والتقدم فمرهون بنظرة الغرب لها، والتأكيد على الحفاظ على مصالحه، سواء كمستثمرين أو كمستهلكين. ولهذا توجه "الإصلاحات" التي تنوي اتباعها والدعاية المصاحبة لها الى الجمهور الغربي مباشرة، بل تفصّل القوانين المحلية على مقاسهم.

فتعلن السلطات السعودية مثلا وضمن خططها "التنويعية" للإقتصاد عن بدء العمل بالتأشيرات السياحية لرعايا لدول الغربية حصراً، مع بعض الإستثناءات لدول آسيوية، وتتبع ذلك بترتيبات أولها اصدار قانون يسمح للمقيمات والسائحات بعدم ارتداء الحجاب والعباءة "شرط الحشمة"، بينما يظل خيار السعوديات خاضعاً لسلطة "الأسرة والمجتمع"، في محاولة لخلق مجالات عامة منفصلة، مقسمة طبقياً وهوياتياً.

ويمكن أن تصبح الصورة في السعودية مشابهة لنظيراتها في مدن الخليج: حقوق مدنية وحريات شخصية للسياح والمقيمين القادمين من أوروبا وأمريكا، متشابكة مع تحرر نسبي بمنظر "حداثي"، لطبقات مترفة من المواطنين وبعض المواطنات، مع الحرص على إبقاء البنى المحافظة والدينية تحكم الطبقات الدنيا (طالما لا قانون يحمي بل استنساب "العائلة والبيئة")، ثم وفي أسفل السلم طبقة عاملة وافدة منزوعة الحقوق وحتى الإنسانية.

 

استهلاك مستدام

تقوم آلية الرؤية على زيادة فعالية دائرة الإستهلاك التي تعيشها شعوب الخليج. فالهدف هو اقامة بيئة تسرّع عمليات الشراء والبيع، وقد صرح مثلا مسؤول في وزارة التعليم السعودية بأن الوزارة تدرس حذف بعض التخصصات التي لا مستقبل لها في سوق العمل، أي ان التخصصات التي لا تؤهل مواطنين لهم مستقبل عمل تقني داخل منظومة السوق لا فائدة منها.

وهذا يؤبد الدور التاريخي للمواطن السعودي داخل المنظومة الرأسمالية العالمية: تصريف منتجات هذه المنظومة، واعادة أرباح تصدير النفط الى داخل السوق الخارجي من جديد على شكل عملية شراء منتجات.

هي عملية إستهلاك مستدام، تنعكس على جوهر العلاقات الاجتماعية مع المحيط وتنزع انسانية المجتمع ونظرته لقضاياه وتلغي أي منطلقات غير مادية من وجدانه، من الإيثار والتضحية والكرم (الخصائص التي يفترض انها تكوينية هنا وما زال يُتغنّى بها)، فتعمق اغترابه عن نفسه..

* موسى السادة باحث من السعودية

المصدر | السفير العربي