الجمعة 11 أكتوبر 2019 04:14 ص

كشمير قنبلة موقوتة على فوهة بركان نووي

«حين يقاتل بلد نووي حتى النهاية فإن ذلك قد تكون له تداعيات تتجاوز حدوده وقد يؤدي إلى تداعيات على العالم أجمع»(عمران خان)

*     *     *

مفارقة عجيبة بين خطابي رئيس الوزراء الهندي نارندرا مودي، ورئيس الوزراء الباكستاني عمران خان، أمام الجمعية العامة في دورتها الرابعة والسبعين.

الأول تجاهل مسألة كشمير تماما، وكأنها غير موجودة. والثاني ركّز جلّ خطابه على قضية كشمير وقال، إن السبب في حضوره شخصيا لأول مرة أمام المحفل الدولي هو شرح أبعاد مأساة كشمير، التي تجري فصولها الآن على مسمع ومرأى من عالم صامت لا يعرف أين ستنهي الأمور.

يذكرنا خطاب مودي بخطاب صديقه نتنياهو الذي كان لا يأتي على ذكر فلسطين لا من قريب ولا من بعيد. تشابهت القضايا وتشابه المتحدثون، ولا عجب أن أصل المشكلتين واحد وهو الاستعمار البريطاني، الذي أوجد الكيان الصهيوني في فلسطين وسهّل ابتلاع الهند لكشمير، وفي الوقت نفسه تقريبا أي عام 1947.

تجاهل مودي لمسألة كشمير لا يعني أنها غير موجودة. على العكس تماما فالتجاهل يعني أن المجرم يعيش حالة قلق وهوس وخوف فلا يجد أفضل من الإنكار.

قطعة من الجنة تصل مساحتها إلى ست وثمانين ألف ميل مربع، تعادل ثلاثة أضعاف مساحات هولندا وبلجيكا ولوكسمبورغ مجتمعة. يصل عدد سكانها نحو 20 مليونا، موزعين بين الشطرين الهندي والباكستاني ودول الشتات. حباها الله بكل أسباب الثروة والجمال والموقع الاستراتيجي تحت قدمي الهملايا، ولسوء حظها، بين دول نووية ثلاث – الصين وباكستان والهند.

ولو لم يكن لديها إلا حقول الزعفران الثمينة والنادرة، لكفاها ذلك دخلا إلى جانب السياحة. كانت عين الهند عليها ولا تريد أن تمنحها حق الاختيار بين الاستقلال أو الانضمام للهند أو باكستان، فدبرت حكاية طلب الحاكم الهندي «المهراجا» عام 1946 بالبقاء مع الهند.

وكان قد اتفق مع الزعيم المحلي الشيخ عبد الله الانضمام للهند بدل الاستقلال، وأقنع السلطات الهندية أن الغالبية من السكان تريد البقاء تحت سيطرة الهند. لكن سكان الإقليم أطلقوا موجة احتجاجات ومظاهرات، وبدأوا يقاومون الضم بالقوة، فقامت الهند بإرسال قوات محمولة لإخماد حركة الاحتجاج ما دعا إلى تدخل قوات قبلية وباكستانية لنصرة الكشميريين.

من هنا بدأ النزاع وأدى إلى تمزق الإقليم بين الهند وباكستان، وجزء صغير مع الصين. وقد سبب الإقليم ثلاث حروب بين الجارتين، لكن الحرب المقبلة، لو جاءت، ستكون مختلفة تماما بين قوتين نووتين، كما قال عمران في كلمته.

بتاريخ 5 أغسطس قامت الهند بإلغاء المادة 370 من الدستور الهندي، المعتمدة عام 1954 والتي تمنح الحكم الذاتي لمنطقة جامو وكشمير ذات الأغلبية المسلمة، وهو الوضع الذي جمّد الوضع السائد في الإقليم طوال 70 سنة، على إثر الحرب الأولى بين البلدين عام 1947- 1948.

وقد ناقش مجلس الأمن الدولي مسألة كشمير في الأعوام 1947 – 1949 واعتمد مجموعة قرارات تدعم حق شعب كشمير في تقرير مصيره عن طريق استفتاء حر ونزيه، كما نص على ذلك القرار 47 الذي اعتمد في 21 أبريل 1948، والقرار 91 (1951) والذي دعا إلى تحكيم محكمة العدل الدولية ورفضته الهند.

وتبع ذلك عدد آخر من القرارات وصل مجموعها إلى 11 قرارا، ثم غابت القضية الكشميرية عن المجلس كل هذه السنوات، لكن إجراءات الهند الأخيرة أعادت الملف إلى الواجهة ما يهدد بتفاقم النزاع بين الدولتين النوويتين، اللتين خاضتا ثلاث حروب في الماضي.

كان تقرير المفوض السامي السابق لحقوق الإنسان، زيد بن رعد الحسين، عام 2018 هو التقرير الأول الذي فصّل الإجراءات التعسفية الهندية في إقليم جامو وكشمير. وأشار زيد إلى عزمه مطالبة مجلس حقوق الإنسان في جنيف، بتشكيل لجنة تحقيق حول عقود من انتهاكات حقوق الإنسان على جانبي خط السيطرة في كشمير، «أسفرت عن مقتل أو تدمير حياة العديد من الأشخاص».

وسلّط المفوض السامي، الضوء على ما سماه «الإفلات المزمن من العقاب» بشأن الانتهاكات التي ارتكبتها قوات الأمن الهندية، وقال إن الطبيعة السياسية للصراع تخفي «معاناة لا توصف» لملايين البشر. وركز المحور الرئيسي للتقرير المكون من 49 صفحة على أن استخدام «القوة المفرطة» بواسطة الجنود، أدت إلى مقتل نحو 145 مدنيا في الفترة بين منتصف عام 2016 إلى إبريل 2018.

ويشرح التقرير بالتفصيل كيف أن موظفي الأمن يتمتعون بمناعة من المساءلة، ويقول إنه «لم تكن هناك ملاحقة واحدة في الثلاثين سنة التي تولت فيها القوات المسلحة الخاصة في (جامو وكشمير) عملية تطبيق القانون».

وقد أدى هذا «الإفلات من العقاب» إلى عرقلة التحقيقات في حالات الاختفاء القسري، مشيراً إلى مزاعم عن وجود مقابر جماعية في الولاية، واغتصاب جماعي للعديد من النساء من قبل الجنود. هذا ما كان يجري قبل 5 أغسطس 2019. فلننظر الآن ماذ يجري بعد إلغاء القانون وضم الإقليم إلى الهند.

بعد 5 أغسطس 2019، اندلعت الاحتجاجات في كافة أنحاء الإقليم، احتجاجا على الوضع الجديد الذي يسمح للمواطنين الهنود بالانتقال إلى المنطقة، وتملك الأراضي وبناء المعابد (على طريقة المستوطنين الصهاينة في فلسطين) فأرسلت الهند قوات تصل إلى 900 ألف جندي، وأغلقت الإقليم تماما وقطعت الاتصالات الهاتفية والإنترنت والبث التلفزيوني في المنطقة، وفرضت قيوداً على التنقل والتجمع والتظاهر.

وبدأت حملة اعتقالات واسعة، طالت أكثر من 2300 مواطن، بمن فيهم القيادات الدينية والناشطون والمدافعون عن حقوق الإنسان، ورجال الأعمال، ومعلمون وطلاب. وتقول منظمة العفو الدولية حول الوضع الآن في جامو وكشمير:

«تقوم حكومة الهند بتقييد الحريات من خلال إيقاف قدرة المواطنين على التواصل مع بعضهم بعضا، ومع بقية العالم، بفرض منع التجول بحيث تمنع الناس من مغادرة منازلهم، في الوقت الذي تتدفق فيه التقارير حول الغارات والاعتقالات والاشتباكات والاعتقالات. وهذا الحظر الشامل للتجول، لم يؤد فقط إلى ترك الناس الذين تقطعت بهم السبل فريسة للذعر ومحاولات التمرد، بل أثر أيضًا على قدرة الأطباء والعاملين في المجال الإنساني على أداء عملهم بفعالية».

وفي تقرير مطول لصحيفة «نيويورك تايمز» يوم 7 أكتوبر 2019 بعنوان «سباق نحو الموت ولا وسيلة للاتصال بالطبيب» تقول الصحيفة أن الموت أصبح محتما للمرضى الذين يطلبون دواءهم عن طريق الإنترنت، ويتواصلون مع الأطباء بالهاتف الخلوي:

«لم يتمكن مرضى السرطان الذين يشترون الأدوية عبر الإنترنت من تقديم الطلبات، بدون الاتصال عبر الهاتف الخلوي، لا يمكن للأطباء التحدث مع بعضهم بعضا، أو العثور على متخصصين، أو الحصول على معلومات مهمة لمساعدتهم في مواقف تتعلق بحياة أو موت المريض. ولأن معظم الكشميريين ليس لديهم خطوط أرضية في منازلهم، فلا يمكنهم إذن طلب المساعدة».

منذ انتخاب عمران لرئاسة وزراء باكستان في 2018 أرسل ثلاث رسائل لمودي لفتح صفحة جديدة من الحوار والسلام، ولكن مودي لم يرد على أي من الرسائل. ثم عاد خان وهنأه بالفوز في الانتخابات في مايو الماضي، متمنيا أن تبدأ الدولتان الجارتان علاقات جيدة.

ثم أعاد الطيار الذي أسر نتيجة لغارات جوية شنتها الهند على باكستان في فبراير الماضي، بدون أي سبب إلا لأن متطرفا كشميريا فجر نفسه في قوات هندية تحتل كشمير. ثم رتب خان عقد اجتماع بين وزيري خارجية البلدين في مقر الأمم المتحدة، على هامش اجتماعات الجمعية العامة، إلا أن الهند ألغت الإجتماع بدون سابق إنذار.

يبدو أن الهند فسرت كل هذه الإشارات على أنها علامات ضعف من الجانب الباكستاني، وهو ما اضطر عمران أن يهدد في خطابه بأن الهند ربما تريد أن تختار حمام الدم.

لقد حذّر عمران خان في خطبته البليغة والعاطفية والتحذيرية يوم 27 سبتمبر أمام الجمعية العامة؛ إلى أن المواجهات الجديدة بين الجارتين النوويتين المتنافستين، لو وقعت، تحت أي حجة، ربما تختلقها الهند كأن تتهمها بأنها تقف وراء «هجمات محتملة لمجموعات محلية» فستبدأ الحرب التقليدية أولا، ولكن كل شيء مفتوح على كافة الاحتمالات.

«سيكون أمام باكستان التي هي أصغر سبع مرات من جارتها خيار صعبا: إما الاستسلام وإما النضال حتى الموت من أجل الحرية. ماذا سنفعل؟ إنني أطرح على نفسي هذا السؤال. سنقاتل، وحين يقاتل بلد نووي حتى النهاية فإن ذلك قد تكون له تداعيات تتجاوز حدوده. هذا قد يؤدي إلى تداعيات على العالم أجمع، ولذا أكرر أمامكم أنني حضرت لأحذركم وليس لإطلاق تهديدات».

يبدو أن مودي مستند إلى موقف صديقه العزيز ترامب، الذي وصفه بأنه صديق ممتاز. لكنه لا يعرف أن صديقه هذا في مهب الريح أولا، وانه لا يتورع عن التخلي عن حلفائه ثانيا، كما تخلى عن الأكراد والسعودية، ولا يشعر بالذنب إذا تخلى عن حلفائه المغامرين.

* د. عبد الحميد صيام محاضر بمركز دراسات الشرق الأوسط، جامعة رتغرز، نيوجيرسي.

المصدر | القدس العربي