عندما اتصل بي "المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب في ألمانيا وهولندا" (ECCI)، قبل بضعة أسابيع، شعرت بالفضول لمعرفة لماذا كان مركز الأبحاث "الأوروبي" المزعوم يستخدم شعارا باللغة العربية مع علامة رأس الصقر، وهو رمز يستخدم على نطاق واسع في الخليج.

بنظرة فاحصة على مركز "ECCI"، وجدت روابط مع مركز أبحاث آخر بدأ مؤخرا في أوروبا، وهو "أوربيان آي لدراسات التطرف" (EER)، وهو منفذ يموله "علي راشد النعيمي"، ضابط مخابرات إماراتي سابق، والرئيس التنفيذي لمنتدى "هداية" ومقره أبوظبي، وأحد المقربين من رجل الإمارات القوي "محمد بن زايد آل نهيان".

هذا ما بدأ به "أندرياس كريغ" مقاله الذي ترجمه "الخليج الجديد" من موقع "لوب لوغ" الأمريكي، مؤكدا تناغم منشورات كلا المركزين الأوروبيين في السرد الإماراتي الذي يتبع منهجا غير متسامح تجاه الإسلام السياسي.

حلفاء غير تقليديين

بالنسبة لأبوظبي، فإن شيطنة الإسلام السياسي مبنية على خوف عميق الجذور داخل مراكز القوة حول "بن زايد" من النشاط المجتمعي المدني الذي تم إضفاء الشرعية عليه ليس من خلال العلمانية ولكن عبر المعتقد الديني.

لذا، منذ "الربيع العربي"، نشط المسؤولون في دولة الإمارات لترويج رواياتهم حول "مناهضة الإسلام السياسي" و "مكافحة الإرهاب" كوسيلة لقمع المجتمع المدني في الداخل وفي جميع أنحاء المنطقة.

ولتسهيل هذا الجهد، أقاموا شراكة مع حلفاء مريبين في الغرب؛ كجماعات يمينية تعتاش على ترويج الخوف من الإسلاميين.

تعتمد هذه المجموعات على الترويج لنظريات المؤامرة الغريبة الخطيرة، مثل أسطورة "يوربيا"، أي الغزو الإسلامي لأوروبا، والتحالف الأحمر والأخضر (الشيوعيين والإسلاميين)، لإثارة المخاوف حول سيطرة المسلمين على الولايات المتحدة وأوروبا.

وكانت هذه الجماعات المتطرفة نفسها مسؤولة عن نشر فكرة أن الرئيس السابق "باراك أوباما" كان مرشحا سريا للمسلمين، وأن مستشارة "هيلاري كلينتون"، "هوما عابدين" كانت ذراعا لجماعة "الإخوان المسلمين" في وزارة الخارجية الأمريكية.

وهنا يظهر تداخل غريب بين الروايات التي تستخدمها الأيديولوجيات المعادية للإسلام، والرسائل الرسمية لحكومة الإمارات التي تسعى للتأثير على صياغة سياسة الأمن الداخلي للدول الأوروبية.

شبكات المعلومات "المضللة" للإمارات، والتي يرأسها خبراء علاقات عامة من مجموعتي "هاربور" و"كامستول" في الولايات المتحدة، عملت مع مدونين ومنظرين لفكرة المؤامرة لزرع هذه الروايات بين أوساط التيار الجمهوري والمحافظ السائد على مدار الأعوام الثمانية الماضية.

وتحت ذريعة "مواجهة التطرف"، مولت الإمارات الفعاليات المناهضة للإسلاميين والمناهضة لقطر في المؤسسات التابعة للمحافظين الجدد، مثل مؤسسة الدفاع عن الديمقراطية (FDD) ومعهد "هيدسون"، ومنتدى الشرق الأوسط اليميني، وكذلك مشروع مكافحة التطرف، وهي منظمة شقيقة لمجموعة الضغط التي تمثل المحافظين الجدد وتدعى "متحدون ضد إيران النووية".

في المملكة المتحدة، واصلت جماعات الضغط المدعومة من الإمارات مثل "Quiller Consultants" ،"Pall Mall Communications" و "Cornerstone Global Associates" تسميم الخطاب العام، من خلال تمويل وإمداد الصحفيين اليمينيين أصحاب السجلات الحافلة في نشر الإسلاموفوبيا.

في فرنسا على سبيل المثال، تلقت الجبهة الوطنية اليمينية مؤخرا مساعدات حملات بقيمة 8 ملايين يورو من مصدر مشبوه في أبوظبي، وقد تابعت الإدارات الأمريكية المتعاقبة والحكومات البريطانية هذه الخدعة واعترفت بمخاطر ترويج هذه الروايات.

إعادة التدوير

يقوم مؤيدو فكرة "التهديد الإسلامي" اليوم بإعادة تدوير المتعصبين القدامى، وتذكرنا حججهم بشكل مذهل بتلك الموجودة في مقالة تعود إلى عام 1913 بعنوان "تهديد الإسلاميين"، نُشرت آنذاك في مجلة أمريكا الشمالية، إحدى المجلات الأدبية المرموقة في أمريكا.

ويرسم فيها المؤلف، "آرثر بولارد"، صورة مظلمة لـ"مؤامرة إسلامية شاملة"، وإذا ما قرأنا مخاوف "بولارد" المزعومة حول "عودة المتشددين المحمديين"، والأوامر الأخوية السرية للإسلاميين الذين هددوا الهيمنة الاستعمارية الأوروبية في شمال إفريقيا، و"الحرب المقدسة"، فإنها تذكرنا بما تراه من متشددي اليوم الذين ينظرون للخطر القادم من العالم الإسلامي.

ولا تزال "الإسلاموية" مفهوما متنازعا عليه، ولكنها تقدّم أحيانا على أنها منفصلة عن الإسلام. ولم يفرق المستشرقون في بريطانيا أو فرنسا المستعمرة في القرن التاسع عشر صراحة بين الإسلام والإسلاموية، وبعد عام 1979 فقط، تم إحياء المفهوم مجددا وربطه بـ "التطرف" و"العنف".

يأخذنا أولئك الذين صدروا فكرة "الإسلاموية" كنموذج لفهم الانقسامات السياسية جميعا في رحلة نحو التعصب والشمولية. ويضع هؤلاء الدولة الإسلامية في نفس السلة السياسية مع جماعات مثل حركة "الصحوة القبلية" أو قوات "الحشد الشعبي" في العراق.

ويدعي هؤلاء أن جماعة "الإخوان المسلمين" التي فازت بأغلبية في الانتخابات الحرة والنزيهة الوحيدة في مصر عام 2012، هي جزء من تنظيم "القاعدة".

ويمكن اعتبار حملة الإمارات لتوجيه قلوب وعقول الغرب ضد التيارات الإسلامية؛ محاولة لإنشاء "بعبع" يتردد صداه مع جمهور يأمل فقط في قيام دول إسلامية على النموذج الإماراتي المعتدل.

ويعد هذا النموذج مجرد واجهة يختبئ خلفها الاستبداديون في العالم العربي؛ لإضفاء الشرعية على القمع، وتبرير التدخلات العسكرية وإخفاء الصحفيين والناشطين.

وفي مواجهة النسخة الثانية من الربيع العربي التي تتكشف حاليا، فإن الرواية المزدوجة عن "الاستقرار السلطوي" مقابل "الفوضى الإسلامية" تفشل في الأخذ بالاعتبار المنطقة الرمادية المتنامية للمجتمع المدني في العالم العربي، الذي لا يرى الإسلام السياسي كتهديد أساسي أمام بناء مستقبل سياسي أكثر تعددية.

المصدر | موقع لوب لوغ - ترجمة الخليج الجديد