• أصبح 25% من شباب العراق بلا عمل وربع السكان، أي 9 ملايين من اصل الاربعين مليوناً، تحت خط الفقر.
  • يمتلك العراق رابع احتياطي نفطي بالعالم ووصل دخله قبل اضطراب سعر البرميل 150 مليار دولار في العام!
  • أما أن القوم كاذبون في وعودهم الآن أو كاذبون قبل هذه الوعود حين كانوا يدّعون أن "العين بصيرة واليد قصيرة"؟ الاثنان معاً على الأرجح.
  • تصريحات مسؤولين إيرانيين متلاحقة بمناسبة ومن دونها تحقّر العراق وأهله وتتباهى بالغلبة والتدخل العلني السافر بشؤونه.
  • إجراءات لا إصلاحات ولا محاربة فساد ولو صحت (ولن!) هي أعطيات أميرية. أما الفساد فهو آلة اشتغال السلطة وليس عرضاً لحكمها.

*     *     *

عادل عبدالمهدي هو صاحب "لا حل سحريا"، ويقصد به أنه يحتاج الى وقت إذ لم يمضِ على وجوده في رئاسة الوزراة إلا سنة واحدة. لكنه أخرج من قبعته حلاً سحرياً فورياً، هو السبعة عشر بندًا التي جعل مجلس الوزراء يقرها بعد وقوع أكثر من 110 قتلى (رسمياً) و6 آلاف جريح في العراق. وهو يعلن انه "سمع مطالب المحتجين من قبل أن ينطقوا بها" – استكمالاً ربما لقدراته السحرية!

عادل عبد المهدي يستخف بعقول العراقيين ويعتبرهم بُلهاء. فكأنما وصوله الى رئاسة الوزارة هو عهد جديد. كأنما الزمن ينطلق من ذلك التاريخ المجيد وليس من 2003، حين جاء هو وسائر "السياسيين الجدد" الى العراق خلال احتلال الامريكان له (أو على ظهور دباباتهم أحياناً).

وعملوا مساعدين لبول بريمر المعيّن من الرئيس الامريكي بوش ليكون "حاكم العراق المدني" (رئيس "سلطة الائتلاف المؤقتة" حتى 2004).

كان عبد المهدي عضواً مناوباً في مجلس الحكم في مرحلة "سلطة الإدارة المدنية" تلك، ثم شغل منصب وزير المالية في حكومة إياد علاوي عام 2004 ممثِلاً "المجلس الأعلى للثورة الإسلامية"، وظل نائباً لنوري المالكي من 2006 وحتى 2014، مخترقاً تاريخ انسحاب القوات الأمريكية من العراق في نهاية 2011.

كان إذاً في مواقع المسئولية وجزءاً من "النظام" خلال إحتلال الامريكان للعراق وحتى كارثة احتلال داعش للموصل ومعها ثلث البلاد! وهو يتفاخر بأنه كاقتصادي وكعضو في الفريق المفاوض حول الديون، فقد تمكن من اقناع الأمريكان وسواهم بالغاء جزء منها.

وهو ما لم يَحُول دون أن يصبح 25 في المئة من الشباب العراقيين بلا عمل، ونحو ربع السكان، أي 9 ملايين من اصل الاربعين مليوناً، يعيشون تحت خط الفقر. وهذه معلومات أعلنها "البنك الدولي" الذي أضاف أن منزلاً من كل ستة منازل يعاني من إنعدام الأمن الغذائي، او ما يقال له بلغة أقل تقنية "الجوع".. يا قوم!

بينما يمتلك العراق رابع احتياطي نفطي في العالم، وكان دخله في وقت من الاوقات (قبل الاضطرابات في سعر البرميل) مئة وخمسون مليار دولار في العام!

والبنك الدولي إياه قدّر كلفة إعادة اعمار العراق بـ88 مليار دولار في 2014، اي أنه كان يمكن ذلك خلال - فلنقل - أربع أو خمس سنوات، لولا مئات ملايين المليارات المختَلسة من أصحاب السلطة والنفوذ قبل وبعد حرب داعش وفي اثنائها، والتي تنام في بنوك الملاجئ المالية العالمية..

صدام حسين مستبدٌ بشع، ولكنه وفّر الكهرباء والماء النظيف لكل الناس، ووفرالتعليم المجاني الجيد على كل المستويات، والتأمين الصحي الجيد والتام، والسكن لكل الناس، وشق وعَبّد الطرقات. وهذا لم يكن حلاً سحرياً ولا كان من جيبه الخاص.

وهو قام بذلك لرشوة المجتمع العراقي، إذا نحينا جانباً جنون العظمة الذي كان يعاني منه، أو تصوراته التنموية والحداثية، وعلى فرض انعدامها. وفي عهده كانت البطالة صفراً مع أنه عطّل الانتاج، عامداً متعمداً، ليَحُول دون استقلال المجتمع معيشياً وذاتياً.

وراح يُعيّن في الجيش والادارة كل من يصل الى سن العمل، رشوة أيضاً للمجتمع، ومن أموال هذا المجتمع، أي من وفرة العوائد النفطية التي أعاد تدويرها بهذا الشكل.. ما لم يمنعه من البذخ وبناء القصور وشراء السلاح وترك الحبل على غاربه للنزوات المكلفة لأبنائه ومحيطه.

وأما السادة الحكام الحاليين، ومنذ 2003، وبغض النظر عن التسميات والحقب والخلافات بين عصاباتهم، فأرادوا أن يُخضعوا العراقيين لهم بالاهمال والتجاهل، احتقاراً، وانشغلوا بارضاء الامريكان بداية، ويقال بحسب عدة صحف أمريكية في حينه، أن بول بريمر شخصياً عاد بعد عام الى بلده مختلساً 9 مليار دولار.. والله اعلم!

(هذا إذا تجاهلنا كل السرقات الامريكية الأخرى، النقدية والعينية، ومنها نهب شركات أمريكية قامت بين 2003 وحتى 2011 بتعهدات لا حصر لها)، ثم هم منشغلون اليوم بإرضاء الايرانيين الذين يستبيحون العراق بالمعنى الحرفي والتفصيلي للكلمة، ليس في السياسة فحسب ولكن بالتسلط على التعهدات كافة، والتجارة، وحتى البيع بالمفرق!

وفي السلوك الايراني، فإن حماقة الجهل بالعراق تنافس الحقد الدفين والقديم عليه. هؤلاء لا يعرفون كيف يفكر العراقيون وكيف يسلكون، ويفاجئهم أن ألد اعدائهم هم الشيعة العراقيون (عدا الفصائل المرتبطة بهم بالطبع، وهؤلاء قلة مهما فعلوا).

وأن من يصرخ منذ سنوات "إيران بره بره" في التظاهرات، من بغداد منذ اقتحم المتظاهرون المجلس النيابي قبل سنوات والى اليوم، وحتى البصرة مروراً بالنجف والناصرية، هم الشيعة العراقيون وليس السنّة الذين لا يجرأون على فتح افواههم والنطق بأي كلمة مخافة تهمة الارهاب وداعش المريحة.

ليس الأمر – فحسب – أن التشيع العراقي عربي صميم، وذلك منذ فجر الإسلام، وأن العراقيون يعتبرون أنفسهم أهله، وأن السيد السيستاني نفسه يناهض مبدأ "ولاية الفقيه".. وليس فحسب أن بين بلاد فارس وبلاد ما بين النهرين ما صنع الحدّاد، وذلك منذ الامبرطوريات القديمة وحتى حرب السنوات الثماني البشعة..

كل ذلك قائم، وتأتي فوقه التصريحات المتلاحقة بمناسبة ومن دونها، الصادرة عن مسئولين ايرانيين، تحقّر العراق وأهله وتتباهى بالغلبة، والتدخل العلني السافر بشؤون العراق (برضا السلطات العراقية الحالية بالطبع)، والتعليق على الوقائع الجارية فيه "كلما دق الكوز بالجرة".. وهي جميعها استباحة على كل المستويات، المادية والرمزية.

واليوم وبعدما أصابهم الرعب، يتنافس السيد عادل عبد المهدي والسيد محمد الحلبوسي، رئيس مجلس النواب، على استعراض الرشوة التي يدّعون انهم بصدد تقديمها للعراقيين ليهدأوا:

الأول أعلن قرارات الحكومة العراقية التي تقع في 17 فقرة وأبرزها تسهيل الحصول على أراض سكنية وبناء وحدات جديدة (باب جديد للسرقة والتوزيع على الازلام)، إضافة إلى منح 175 ألف دينار (نحو 145 دولاراً) شهرياً للعاطلين عن العمل ولمدة ثلاثة أشهر (وبعدها ماذا يفعلون؟ وكأن عطالتهم مؤقتة ويمكن ان تنتهي بالبحث عن عمل، ثم من اين لكم هذا المبلغ الهائل طالما أن الموازنة العامة الاتحادية للسنة المالية 2019، كما أقرت، تعاني عجزاً يبلغ 23 مليار دولار وهي بقيمة تقارب 112 مليار دولار).

وتَقَرر الغاء تدابير إزالة التجاوزات السكنية العشوائية (البائسة تماماً والخالية من كل الخدمات) التي يسكنها ثلاثة ملايين انسان (في العراق؟ يا للهول)، كما تقرر اعتبار ضحايا التظاهرات "شهداء" ومنح عائلاتهم "امتيازات الشهداء" (فمن قتلهم يا سادة؟)

وأخيراً تقرر فتح باب التطوع للجيش، وإعادة الذين فُسخت عقودهم بعد اجتياح تنظيم "الدولة الإسلامية" في العام 2014. وهناك حزمة ثانية من "الإصلاحات" ستُبحث في الجلسة المقبلة لمجلس الوزراء!

وعبد المهدي ذاك يقول في ثالث أيام التظاهر الذي استمر اسبوعاً: "صوتكم مسموع قبل أن تتظاهروا، ومطالبكم بمحاربة الفساد والإصلاح الشامل هي مطالب محقة", وأضاف أنه تم تشكيل لجان "من أجل إطلاق سراح المحتجزين من المتظاهرين واعتبار ضحايا المظاهرات شهداء"، ولكن الشهداء استمروا في السقوط بعد ذلك، وكذلك استمرت الاعتقالات!

اما الثاني، الحلبوسي، فأضاف – أو في الحقيقة سبق عبد المهدي بالاعلان عن أن صندوق الإسكان سيمنح "المستحقين" قرض ميسر معفي من الفوائد (الله الله! فعلا هؤلاء تعلموا أن يقلدوا فنون لبنان في المجال)، و"سيتم تصفير كل ما بذمة الفلاحين من بدلات إيجار الاراضي، وإيقاف استيراد المواد التي يزرعها الفلاح العراقي (هذه ضد الطماطه - البندورة – الإيرانية التي تغرق الاسواق العراقية هي وغيرها من المنتوجات؟).

وقام الحلبوسي بالتوصية بتثبيت جميع المحاضرين بعقود ابتداءً من الآن وخلال موازنة 2020، وتثبيت جميع المتعاقدين مع مؤسسات الدولة، فضلاً عن "إقرار مجلس الخدمة الاتحادية والاتفاق مع النقابات والاتحادات لإبعاده عن أي تدخل سياسي" (نقابات؟ وكأننا في السويد).

فأما أن القوم كاذبون في وعودهم الآن، أو أن القوم كاذبون في سلوكهم السابق على هذه الوعود، حين كانوا يدّعون أن "العين بصيرة واليد قصيرة".. أيهما يا ترى؟ الاثنان معاً على الأرجح.

وبكل الاحوال فهذه بالطبع ليست إصلاحات ولا هي محاربة للفساد. وهي لو صحت (ولن!) أعطيات أميرية ليس إلا. وأما الفساد فهو آلة اشتغال هذه السلطة وليس عرضاً من أعراض حكمها.

نهلة الشهال - كاتبة وناشطة لبنانية، رئيسة تحرير "السفير العربي"

المصدر | السفير العربي