الجمعة 18 أكتوبر 2019 04:33 ص
  • الدول تفرج عن وثائقها للباحثين والمواطنين دون تهديد لأمنها القومى بل بالعكس يزيدهما قوة بانفتاحهما.
  • الأنظمة العربية تمنع الوثائق لينحصر فهم تاريخ الصراع العربى الإسرائيلى من وجهة نظر إسرائيلية أو أمريكية فقط.
  • أين وثائقنا العربية ونحن دول وشعوب ذات تراث عريق به وثائق كثيرة نستطيع من خلالها فهم وتحليل والاستفادة من خبرة تاريخنا.
  • ليس من الجيد التعرف على أسرار موضوع هام كمفاوضات السلام المصرية الإسرائيلية من وثائق أمريكية أو إسرائيلية فقط.

*     *     *

اطلعت مؤخرا على حزمة من وثائق أمريكية عن حقبة مهمة من التاريخ العربى المعاصر بعدما رفعت وزارة الخارجية السرية عن مئات الوثائق والخطابات والرسائل والبرقيات ومحاضر جلسات، ومذكرات رسمية، تتعلّق بعملية التفاوض حول معاهدة السلام بين مصر وإسرائيل.

ورغم مرور نحو أربعين عاما على تاريخ هذه الوثائق، فلا نزال نعيش نفس موضوعات الوثائق سواء تعلق الأمر بالصراع العربى الإسرائيلى، أو بتعقيدات علاقة إيران بجيرانها العرب وبالولايات المتحدة، وقضايا الخلافات والعلاقات العربية، والبحث عن حل مقبول لمعضلة قطاع غزة والضفة الغربية، ناهيك عن أزمة القدس وتطوراتها الدراماتيكية.

ويعد الكشف عن هذه الوثائق عملا روتينيا تقوم به الجهات الأمريكية الحكومية دوريا طبقا لقوانين تلزمها بذلك. وتنضم هذه الحزمة من الوثائق إلى آلاف الوثائق الأخرى التى رُفعت عنها السرية فى السنوات القليلة الماضية سواء من نفس الوزارة أو من جهات أخرى كالبيت الأبيض، أو وكالة الاستخبارات المركزية «سى آى إيه».

*     *     *

من خلال الاطلاع على الوثائق يظهر أنه ورغم رفع السرية عنها وإتاحتها للعامة، إلا أنها تمتلئ بأجزاء لم تُرفع عنها السرية بعد، بضعة أسطر فى حالات عدة، ومقاطع كاملة فى حالات أخرى.

يلزم القانون رقم 13526، الخاص بالحصول على المعلومات الحكومية الأمريكية بالكشف الدورى عن الوثائق الحكومية الرسمية بعد مرور 25 عاما عليها، إلا أن القانون ذاته وفّر للحكومة تسعة استثناءات تمكنها من عدم النشر، وهذه الاستثناءات تتعلق بالحفاظ على حياة أشخاص ومصادر ممن تعاونوا سرا مع الولايات المتحدة.

ومن الاستثناءات أيضا ما قد يكون لحماية طرق جمع معلومات وتجسس، أو أى وثائق قد تكشف عن طرق صنع أسلحة دمار شامل، أو تكشف عن انتهاكات أمريكية للقوانين أو المعاهدات الدولية. كذلك تشمل تلك الاستثناءات أى وثائق تكشف طرق التخطيط لعمليات عسكرية أو عمليات استخباراتية.

*     *     *

أخفت الوثائق هوية ومناصب مسئولين عرب تعاونوا مع واشنطن من أجل تحقيق أهدافها فى إنجاح مفاوضات كامب ديفيد. وكان من أهم ما استوقفنا فى الأجزاء التى لم ترفع عنها السرية وثيقة فى صورة مذكرة تقدير موقف صدرت من وكالة الاستخبارات المركزية بتاريخ 16 فبراير 1979.

وتحدثت عن تحدى «القوى الإسلامية» لخطوات السادات تجاه التوقيع على اتفاقية سلام مع إسرائيل، وتم حجب المعلومات والتحليلات المرتبطة بهذه النقطة.

ومن الوثائق المثيرة تلك التى ركزت على جهود واشنطن فى مفاوضات «الحكم الذاتى للفلسطينيين». ومن الوثائق المهمة التى تضمنتها هذه الحزمة مذكرة صدرت من وكالة الاستخبارات المركزية يذكر فيها أن الزعيم الفلسطينى، ياسر عرفات، أبلغ اللواء شوكت مدير المخابرات العسكرية المصرية حينها أنه لا يثق بالرئيس السادات، ويفضّل التفاوض المباشر مع واشنطن، وأن عليه إبلاغ السادات بذلك.

وتؤكد «سى آى إيه» أن اللواء شوكت رفض أن يقول للسادات ما سمعه من عرفات، وفضّل أن يقول إن عرفات يعتقد أن لواشنطن حاجة فى مسعاه لإحلال السلام فى المنطقة، ولذا فهو لا يمانع فى التفاوض المباشر معها.

*     *     *

فصلت الوثائق لتوقع الإدارة الأمريكية انهيار نظام الرئيس السورى الراحل، حافظ الأسد، عام 1980 على خلفية تزايد التحديات أمام حكمه من جماعات سورية مختلفة. وطالبت برقية صدرت فى 19 سبتمبر 1980، بعنوان «مراجعة السياسة الأمريكية تجاه سوريا»، بضرورة الاستعداد لحماية المصالح الأمريكية فيما يبدو أنه «مستقبل غامض أمام سوريا».

وأشارت البرقية إلى أنه ورغم صعوبة تحديد عمر نظام حافظ الأسد، وإلى أى مدى سيستطيع البقاء، إلا أنه من الواضح أن «النظام يموت». وكشفت بعض البرقيات عدم تمسك الحكام العرب بإقامة دولة فلسطينية، وأشار محضر اجتماع عُقد فى البيت الأبيض يوم 17 يناير 1980 بين نائب الرئيس المصرى حينذاك، حسنى مبارك، والرئيس الأمريكى وقتها، جيمى كارتر.

«وأكد مبارك أن قضية القدس هى الأهم عند القادة العرب، وذكر أن الأمير فهد بن عبدالعزيز آل سعود والملك خالد بن عبدالعزيز آل سعود لا يعرفان إلا القدس. ولقد كان الرئيس السادات على حق عندما ذكر منذ أشهر قليلة ألا أحد من القادة العرب يريد دولة فلسطينية مستقلة. هم يخشون الفلسطينيين، ويخشون من النفوذ السوفييتى الذى سيتمدد داخل أى دولة فلسطينية».

*     *     *

تدفعنى تجربة الاطلاع الدورى على الوثائق الأمريكية إلى طرح تساؤل طرحه فى الماضى الكثير من الباحثين والمهتمين وسيطرح فى المستقبل كذلك، ويتعلق بالسؤال عن وثائقنا العربية. نحن دول وشعوب عريقة ذات تراث عريق به الكثير من الوثائق التى نستطيع من خلالها تفهم وتحليل والاستفادة من خبرة تاريخ مر بنا وعلينا بما يفيد الحاضر ويُعد للمستقبل.

نعم هناك جهات رسمية تقوم بوظيفة التأريخ وجمع الوثائق، إلا أن وظيفتها شكلية بالأساس، إذ لا تتاح أى وثائق جادة مهمة للاطلاع عليها. تفاصيل تاريخنا العربى غير متاحة لنا، وليس من الجيد التعرف على أسرار وتفاصيل موضوع هام كمفاوضات السلام المصرية الإسرائيلية من وثائق أمريكية أو إسرائيلية فقط.

أين يوميات الرئيس السادات التى كتبها بخط يده، أين محاضر وبرقيات وزارة الخارجية المصرية من سفارتها بواشنطن وديوان الوزارة بالقاهرة، أين مذكرات وتعليمات مؤسسة الرئاسة لفريق التفاوض، أين خطابات ومراسلات ومداولات السادات مع فريقه التفاوضى.

قد يقول البعض إنها أسرار أمن قومي؟ نعم قد تكون كذلك لكن لفترة زمنية محددة قد تكون عشرين عاما، أقل أو أكثر قليلا. تاريخنا بما فيه من وثائق ملكا لنا ولشعوبنا وللأجيال القادمة التى من حقها أن تعرف كيف جرى ما جرى، وأن تعرف ذلك على لساننا ومن وثائقنا وليس على لسان ووثائق الآخرين.

ما تقوم به الأنظمة العربية فقط يتيح لنا وللآخرين فهم تاريخنا وتاريخ الصراع العربى الإسرائيلى من وجهة نظر إسرائيلية أو أمريكية فقط لأنها تفرج عن وثائقها للباحثين والمواطنين، وهذا الأمر لم يهدد الأمن القومى لهذه الدولة أو تلك، بل على العكس يزيدهما قوة بانفتاحهما.

  • محمد المنشاوي - كاتب صحفي في الشؤون الأمريكية من واشنطن
المصدر | الشروق المصرية