الجمعة 18 أكتوبر 2019 03:50 م

"الديكتاتورية في مصر تجلس فوق سحابة خوف، تحتها برميل بارود، وإن تم ثقب تلك السحابة فستأكل النيران النظام بالكامل، وهذه السحابة لا محالة ستثقب"، جاءت هذه الكلمات للتعبير عن واقع الحالة التي تمر بها مصر حاليا في مقال بصحيفة "واشنطن بوست" الأمريكية كتبه الكاتب المصري "عز الدين فشير"، الأستاذ الزائر في العلوم السياسية والاقتصادية بكلية دارتموث بولاية هامبشير الأمريكية.

يقول "فشير"، في مقاله، الذي ترجمه "الخليج الجديد"، إنه لا أحد بات يحب النظام العسكري للرئيس المصري "عبدالفتاح السيسي"، ولا حتى مؤيديه، ومن لا يعارضونه حاليا يتحملونه على مضض، لسبب وحيد، وهو أنهم يعتقدون أنه سوف يساعد على استقرار نسبي لمصر وإصلاح الدولة المختلة.

المشكلة، وفقا لـ"فشير"، أن نظام "السيسي" فشل حتى في تحقيق هذين الهدفين، فبالنسبة للسياسة والاقتصاد، وبدل بناء الشراكات والتفكير على المدى الطويل؛ اختار "السيسي" المسار الأسهل، وقوض قدرته على تحقيق الإصلاح أو الاستقرار في هذه المسيرة.

ويضيف: اقتصرت نسخة "السيسي" للإصلاح الاقتصادي على إلغاء الإعانات والدعم وتحرير سعر الصرف، دون إعادة هيكلة أعمق للهياكل الاقتصادية والتنظيمية للدولة، مما تسبب في إفقار ملايين المصريين.

ويتابع: في العديد من خطاباته العامة، كرر "السيسي" عزمه على المضي قدما في سياساته "حتى لو كان علينا (المصريون) أن نتضور جوعا"، وفي حين أنه قد يكون مستعدا للقيام بذلك، دون تحمل تبعاته، فإن غالبية المصريين البالغ عددهم نحو 100 مليون سئموا من هذه السياسات.

وفي الوقت الذي ينمو استياءهم من كل ما يحدث، لجأت الحكومة بشكل متزايد إلى القمع لمواجهة  هذا الاستياء.

ويشير الكاتب إلى أن النظام بدأ مهاجمة من يعتبرهم أعدائه وخصومه يمنة ويسرة، مضيفا: "هناك الملايين من المؤيدين الإسلاميين الغاضبين الذين ينتظرون الفرصة للانتقام لموتاهم والمعذبين منهم، وهناك أيضا المليشيا المسلحة في سيناء التي لم تُهزم، أضف إلى هذا ملايين الشباب الذين يكرهون كل ما يمثله النظام، وملايين آخرين ممن اعتقدوا أن الديمقراطية الليبرالية كانت في متناولهم حتى تم اختطافها من قبل حكم عسكري بدأ عام 1960".

ويضيف "فشير": ويبدو أن ذلك كله لم يعد كافيا، حيث أقدم النظام على تفكيك المؤسسات السياسية أكثر من أي وقت مضى، وعلى سبيل المثال، عندما حاولت مجموعة من الناشطين الشباب بقيادة عضو البرلمان السابق "زياد العليمي" الترشح للانتخابات التشريعية، ألقى النظام بهم جميعا في السجن، باستخدام مزيج من الأدوات القانونية وغير القانونية.

ويردف: "أدى ذلك إلى إزاحة المجتمع المدني وإسكات وسائل الإعلام، وكانت النتيجة القضاء على صمام أمان النظام وإزالة الطبقة العازلة بين النظام والمواطنين غير السعداء".

وبعبارة أخرى - يقول الكاتب – فإن ديكتاتورية مصر تجلس على سحابة من الخوف تحتها برميل بارود، وإذا ثُقبت هذه السحابة فستأكل النيران هذا النظام.

ويؤكد "فشير" أن سحابة الخوف هذه لا بد أن تنثقب، لأن إصلاحات النظام المزعومة والقمع الذي يجب أن يستخدمه لفرضها يزيدان درجة الحرارة.

وأوضح الكاتب أن أحداث الأسابيع القليلة الماضية جعلت هذا الأمر واضحا، حيث نجح متعاقد مصري سابق مع الجيش وممثل تليفزيوني في "هز" الاستقرار في مصر، من خلال عدد قليل من مقاطع الفيديو التي تعرض تفاصيل صفقات فاسدة يقوم بها قيادات بالجيش، ودعا بعدها إلى ثورة جديدة.

كيف رد النظام؟ يقول "فشير" إن البرامج التلفزيونية وجهت كل أنواع الاتهامات إلى المقاول؛ وتم دعوة المؤثرين لتذكير الجمهور المصري بـ "فوضى 2011"؛ شددت الخطب الدينية على الولاء وحذرت من الخيانة، وتم إحضار الفنانين لسب ولعن من وصفوهم بـ"المتآمرين"، وبعد كل هذا تم نشر قوات الأمن بكثافة في جميع أنحاء المدن المصرية.

ويقول إنه مع كل ذلك، خرجت احتجاجات إلى الشوارع، صحيح أنها تفرقت سريعا بسبب الوجود الأمني، لكنها فجرت فقاعة الحصانة حول النظام، وبعد ذلك اضطر "السيسي" إلى صرف جرعة مسكنات تمثلت في إعادة أكثر من مليون شخص إلى منظومة الدعم التمويني، وخفض سعر الوقود بشكل طفيف، وانتشار وعود للإصلاح السياسي من قبل مسؤولين مثل رئيس البرلمان "علي عبدالعال" (على الرغم من أنه أضاف أن القمع كان ضروريًا لبناء "بنية تحتية قوية" ، كما فعل "هتلر").

ويشير إلى أنه على الأرض، كان الرد الحقيقي للنظام هو مزيد من القمع، حيث ألقي القبض على "علاء عبدالفتاح" و"ماهينور المصري"، وهما ناشطين بارزين تم إطلاق سراحهما مؤخرا من السجن، بعد أن تعرضا للإساءات داخله، كما تم اعتقال "إسراء عبدالفتاح"، وهي ناشطة ليبرالية، وتعرض للقمع أيضا؛ "خالد داود"، الزعيم السابق لحزب "الدستور"، والأكاديميين "حسن نافعة" و"حازم حسني"، وهما اثنان من منتقدي النظام وأستاذين في العلوم السياسية.

ويضيف أنه حتى السياح في القاهرة، من السودان وهولندا والأردن، تم اعتقال بعضهم وبث اعترافاتهم على شاشات التلفاز بكونهم جواسيس، وتم إلقاء القبض على عمال بالقطاع العام كانوا يطالبون بحقوقهم من مكافآت وحوافز، وبدأ أفراد الأمن في إيقاف المارة والتحقق من هواتفهم، واعتقال من رفضوا، بمن فيهم "سناء سيف"، الناشطة الشابة في مجال حقوق الإنسان التي سبق أن سُجنت بسبب التظاهر.

ويؤكد الكاتب أنه تم اعتقال أكثر من 3 آلاف و600 شخصا، منهم أطفال، منذ 20 سبتمبر/أيلول الماضي.

ويختم "فشير" مقاله، قائلا إن هذه الحرارة المتزايدة ليست علامة على الاستقرار، وأنها في الواقع طلقة تحذير، وأن ضرب وسحل المعارضين لن يجعل تحديات مصر الهائلة تزول، ولن يجعل أغلب المصريين أكثر قبولا لظروفهم المعيشية المتدهورة أو تقليل عدد أعداء النظام.

ويضيف:"لا يمكن تحقيق الاستقرار بعيد المنال والإصلاحات العميقة التي يحتاجها ويستحقها المصريون إلا بإنهاء القمع وإجراء مصالحة وطنية".

المصدر | الخليج الجديد