الأحد 20 أكتوبر 2019 05:44 ص

البقاء للأصلح

السؤال ليس إن كان النظام سيبقى بل متى سيسقط؟ فالبقاء للأصلح!

لم تعد النخب الحاكمة تحتكر وسائل الاعلام فهناك اعلام بديل بطله المواطن العادي.

تعجز الدولة في الدفاع عن سرديتها في الحكم التي باتت سببا في احداث شرخ مجتمعي كبير.

استمرار الانظمة العربية بأدوات إنتاج الازمات يعكس عجزها عن التعلم من التجارب والتاريخ والأخطاء!

الأنظمة السياسية التي تخفق في تغيير آليات الحكم وفقا لتغير البيئة الاجتماعية والاقتصادية والسياسية ستسقط في النهاية.

*     *     *

لم يقصد داروين بعبارة "البقاء للأصلح" إلا القول أن البقاء هو لمن يتمكن من التكيف مع المتغيرات بصرف النظر عن القوة، وعليه فإن الأنظمة السياسية التي تخفق في فهم هذا المنطق وتغير من آليات الحكم وفقا لتغير البيئة الاجتماعية والاقتصادية والسياسية ستسقط في نهاية المطاف.

الغضب العربي، إن جاز التعبير، بات أمرا مقلقا لبعض الأنظمة العربية المتكلسة، وهكذا نفهم اجتماع بعض من هذه الانظمة لمواجهة منجزات التغيير في المنطقة.

لكن غاب عنهم أن تسونامي الصحوة الشعبية أخذ أشكالا متعددة في المنطقة، فجيل الألفية الجديدة سيقود التغيير في قادم الأيام وكل محاولاتهم في وضع عصيهم في دواليب حركة التاريخ لن تفضي إلا إلى زوالهم.

هناك حدثان مهمان شهدتهما المنطقة هذا الأسبوع، فمن ناحية تمكن الشعب التونسي من المضي قدما في عملية التحول الديمقراطي بعد أن تجذرت التجربة وباتت موضع اعجاب العرب من المحيط إلى الخليج.

أما الحدث الآخر فهو انتفاضة اللبنانيين الذين ضاقوا ذرعا بالحكومات اللبنانية القائمة على المحاصصة والتي لم تتمكن لغاية الآن من اقناع اللبنانيين بجدوى وجودها.

لا نعرف كيف ستتطور الازمة اللبنانية لكن يقينا أن المنطقة برمتها لم تعد كما كانت، فهناك حالة من الاستفاقة الشعبية بدأت تأخذ شكل انتخابات وانتفاضات.

عند الشعوب، لم تعد هناك محرمات أو للدقة لم تعد هناك خطوط حمراء، فالنقد على وسائل التواصل الاجتماعي يطال الجميع من أعلى قمة الهرم إلى أسفله، فكل أدوات الدولة في السيطرة والتحكم والعقاب لم تعد قادرة على ثني إرادة الأجيال الجديدة في التعبير عما تراه مناسبا.

بمعنى آخر، تعجز الدولة في الدفاع عن سرديتها في الحكم، وهي سردية باتت سببا في احداث شرخ مجتمعي كبير، ويمكن القول إن النخب الحاكمة تعجز عن الاشتباك مع الشعوب على وسائل التواصل الاجتماعي لأنها نخب معزولة ومنفصلة عن الواقع من حيث ممارساتها اليومية.

هناك الكثير من الشعوب في المنطقة ما تزال تعبر عن حرمانها وتهميشها لكنها لا تريد أن تصل إلى نقطة الانفجار، وأسوأ ما تقوم به الانظمة الحاكمة هو الاشتباك مع شعوبها بدرجة عالية من التذاكي، فثمة فرق بين التقرب من الناس وتلمس حاجاتهم وبين "استهبالهم".

على النخب الحاكمة أن تفهم بأنها لم تعد تحتكر وسائل الاعلام وأن هناك اعلاما بديلا بطله المواطن العادي، وهذه نقطة ينبغي التقاطها من قبل الانظمة العربية إن أرادت الاستمرار في الحكم بدلا من الاستمرار بنفس الأدوات التي ساهمت في انتاج الازمات بغية حلها، وغير ذلك يعكس عدم قدرة على التعلم من التجارب والتاريخ والأخطاء.

باختصار، هناك سيولة شديدة في إقليم متغير، وأهم ملمح من ملامح التغير في الإقليم يتمثل في كسر احتكار الدولة للإعلام، فهناك حالة غير مسبوقة في التاريخ تشي بأن الشعوب قادرة على الوصول إلى المعلومة الصحيحة رغم أدوات السيطرة والتحكم في الدولة.

التغير الثاني يكمن في التوصل إلى اجماع وطني في اغلب الدول بأن التدهور في الاوضاع الاقتصادية والتردي الاجتماعي وتراجع الخدمات سببه السياسة العامة والنهج الذي خلق طبقتين في المجتمع: واحدة صغيرة جدا لكنها تستأثر على الثروة وأخرى كبيرة جدا تعتاش على الفتات.

أي نظام سياسي يخفق في فهم معنى الحقد الطبقي وغياب الحريات ومشاركة الشعب في صناعة القرار لا يمكن أن يتطور وفقا للتطور الطبيعي للمجتمع، وعليه سيكون السؤال ليس إن كان النظام سيبقى لكن متى سيسقط! فالبقاء للأصلح كما أفاد داروين!

* د. حسن البراري أستاذ العلاقات الدولية بالجامعة الأردنية

المصدر | الغد الأردنية