الأحد 27 أكتوبر 2019 07:36 ص

لبنان بين مطالب الثورة وإكراهات الطائفية

الطائفية عقبة أساسية أمام البناء السياسي المنشود فإسقاط النظام سيكون مقدمة لبناء سياسي جديد.

شعار «الشعب يريد إسقاط النظام» يجعل انتفاضة لبنان جزءا لا ينفصل عن مسار الثورات العربية.

هل ستترك إيران وفرنسا مثلا شعب لبنان يقرر مصيره بنفسه؟ لا نظن ذلك ولا نظن شعب لبنان سيسكت عن ذلك أيضا.

*     *     *

الشعار المرفوع هناك يعكس اندراجا غير مشروط في سياق الربيع العربي بما هو الحدث الأهم والأبرز للمنطقة وشعوبها خلال العقد الأخير. «الشعب يريد إسقاط النظام» هو الشعار الذي دشنت به تونس ثورتها العظيمة وهو الشعار نفسه الذي أسقط مبارك ومن بعده القذافي وهو ما يجعل من انتفاضة لبنان جزءا لا ينفصل عن مسار الثورات العربية.

الثابت أيضا هو أن البلد ينتمي إلى نفس المنظومة السياسية المحكومة بالفساد والقمع، لكنه يتميز عنها بميزة أساسية وهي ميزة الطائفية التي حولت البلد إلى حالة من التوازن الهش بين أطياف منقسمة على بعضها البعض بشكل ييسّر إحكام السيطرة عليها ويسهّل استغلالها.

فمنذ اتفاق الطائف الذي أنهى الحرب الأهلية اللبنانية لم تنجح الدولة في بسط سلطتها على مجالها السيادي وكانت لبنان دائما مركزا للتوتر الإقليمي خاصة في الجنوب على خطوط التماس مع دولة الكيان.

لكن أبرز ما ميّز الممارسة السياسية هناك هو حجم الفساد المخيف الذي عصف بالبلد وأوصله إلى مراحل متقدمة من نزيف الموارد الذي تسبب بدوره في موجات ضخمة من موجات الهجرة.

رغم كل الأموال التي رصدتها مجموعة الدول الخليجية لمساعدة لبنان سواء في إطار مشروع إعادة الإعمار أو تلك التي دُفعت في إطار مشاريع البنية التحتية أو القروض والهبات، فإن القسم الأكبر منها قد تبخر بفعل الفساد الذي ينخر السلطة السياسية في هذا البلد الصغير.

رغم كل هذه الأموال ورغم تحويلات المهاجرين اللبنانيين التي تُعدّ بملايين الدولارات شهريا، فإن البلد لا يزال يرزح تحت وطأة انعدام الخدمات الأساسية وثقل الضرائب وتراجع المرافق العمومية.

كل هذه الصعوبات يمكن تجاوزها إذا نجح الفرقاء هناك في تطبيق القانون واحترام الدستور، لكنّ معضلة أخرى تبقى العائق الأساسي أمام خروج البلد من هذا النفق. الطائفية هي الخطر الأساسي الذي يهدد لبنان تهديدا وجوديا لأنه يعتبر واحدا من أسباب تفشي الفساد وانتشاره عموديا وأفقيا.

الطائفية هي العقبة الأساسية أمام البناء السياسي المأمول لأن إسقاط النظام سيكون مقدمة لبناء سياسي جديد مثلما حدث في تونس وليبيا ومصر وعندها ستجد موجة التغيير نفسها في مواجهة واقع لبناني يختلف عن كل المشهد العربي.

من جهة أخرى هل سيترك الجوار الإقليمي لبنان لأهله ؟ هل ستترك إيران وفرنسا مثلا شعب لبنان يقرر مصيره بنفسه ؟ لا نظن ذلك ولا نظن شعب لبنان سيسكت عن ذلك أيضا.

* د. محمد هنيد أكاديمي تونسي، أستاذ السياسة بجامعة السوربون، باريس. 

المصدر | الوطن القطرية