الجمعة 1 نوفمبر 2019 06:23 ص

ترامب وسد النهضة

عمليات البناء مستمرة بلا توقف وتشير تقارير إلى اكتمال 70% من أعمال الإنشاءات الأساسية.

الخوف من قيام روسيا أو الصين بدور كبير فى حل النزاع حول سد النهضة العامل الرئيسى وراء تدخل واشنطن.

بحسب دراسة للكونغرس «إثيوبيا تلعب دورا هاما بمواجهة القاعدة والجماعات التابعة له بالقرن الإفريقى».

لم يظهر من الموقف الأمريكى من بناء سد النهضة إلا عبارات دبلوماسية فضفاضة تشير لضرورة تعاون كل الأطراف.

*     *     *

أعلن البيت الأبيض قبل شهر مضى عن دعم الولايات المتحدة للمفاوضات الجارية بين مصر وإثيوبيا والسودان للتوصل إلى اتفاق تعاونى مستقر ومتبادل المنفعة بشأن تشغيل سد النهضة الإثيوبى. وقال بيان صدر عن البيت الأبيض إن جميع دول وادى النيل لها الحق فى التنمية الاقتصادية والازدهار.

ودعت واشنطن جميع الأطراف إلى بذل جهود حسنة النية للتوصل إلى اتفاق يحفظ تلك الحقوق، مع احترام حقوق مياه نهر النيل لبعضهم البعض فى وقت واحد.

ثم جاء إعلان القاهرة قبولها دعوة وجهتها وزارة الخارجية الأمريكية لوزراء خارجية الدول الثلاث للاجتماع بواشنطن للبحث في سبل حل الخلافات حول سد النهضة ليشير لتزايد الدور الأمريكى فى قضية سد النهضة.

تاريخيا لم يتم التعبير عن الموقف الأمريكى من قضية بناء سد النهضة إلا من خلال عبارات دبلوماسية فضفاضة تشير لضرورة تعاون كل الأطراف.

*     *     *

تحدثت لدبلوماسى أمريكى رفيع عن سبب تدخل واشنطن المتأخر فى هذه القضية الشائكة، ورد بالقول إن «الخوف من أن تلعب روسيا أو الصين دورا كبيرا فى حل النزاع حول سد النهضة هو العامل الرئيسى الذى دفع واشنطن للتدخل خاصة مع استضافة موسكو القمة الروسية الإفريقية قبل أيام».

وكانت موسكو قد عرضت القيام بدور الوسيط بين مصر وإثيوبيا، وهو ما سبب إزعاجا كبيرا لواشنطن حيث إنها أكبر جهة داعمة للدولتين من حيث المساعدات العسكرية والاقتصادية التى تتخطى مليارى دولار سنويا.

ويتصور كثير من خبراء واشنطن أن علاقة الولايات المتحدة القوية بالدولتين قد يسمح لها بلعب دور بناء يقلل من حجم الخلافات بين الطرفين. وتجمع الولايات المتحدة علاقات قوية بالقاهرة وأديس أبابا.

فمصر تلقت مساعدات أمريكية وصل مجموعها لثمانين مليار دولار خلال العقود الأربعة الأخيرة. وتعد إثيوبيا كذلك من أكبر الدول المتلقية للمساعدات الاقتصادية والتنموية الأمريكية بين دول القارة الأفريقية ووصل ما تلقته عام 2018 لمليار دولار.

ويتيح ما تقدمه واشنطن من مساعدات كبيرة للطرفين، إضافة لمكانتها المؤثرة داخل المؤسسات المالية الدولية الرئيسية كالبنك الدولى وصندوق النقد الدولى، ثقلا يجعل كلمتها مسموعة لدى اطراف هذه القضية.

*     *     *

وطالبت دراسة صدرت أخيرا عن مجموعة الأزمات الدولية، وهى أحد أفضل المراكز البحثية فى العالم، من الدول الثلاثة المعنية بقضية سد النهضة بضرورة «طلب الدعم من طرف ثالث، شريك متفق عليه للخروج من المأزق».

واقترحت الدراسة الولايات المتحدة والصين، اللتين تتمتعان بعلاقات وثيقة مع بعض حكومات حوض النيل، أن تشجعا الأطراف على تسوية نزاعاتها قبل اكتمال بناء سد النهضة.

وعقب فشل الاجتماع الوزارى الأخير فى الخامس من أكتوبر دعت مصر رسميا الولايات المتحدة بالتدخل والمساعدة على حل خلافات الدول الثلاث.

وطبقا للبروفيسور هارى فيرهوفن، خبير الدراسات المائية بجامعة جورج تاون، الذى يرى أنه من المؤكد إذا لجأت الأطراف للتحكيم الدولى أمام محكمة العدل الدولية بلاهاى قد يتم الحكم لصالح إثيوبيا، على اساس أن «إثيوبيا لها الحق فى تطوير مواردها المائية داخل أراضيها». وأنها لم توقع على أى من اتفاقيات توزيع حصص مياه نهر النيل.

ويرفض خبراء آخرون الطرح السابق ويرون أن إثيوبيا ملتزمة بكل الاتفاقيات السابقة المتعلقة بحصص النيل وإن لم تكن طرفا فيها، إلا أن الواقع أن عمليات البناء مستمرة بلا توقف وتشير تقارير إلى انتهاء 70% من أعمال الإنشاءات الأساسية.

*     *     *

ترى واشنطن أنها كانت دائما مهتمة بقضية سد النهضة، وأنها كانت تتصور أن حليفتيها، القاهرة وأديس أبابا، يمكنهما حل القضايا الفنية المتعلقة بملء وتشغيل السد عن طريق التفاوض فيما بينهما.

وكانت الولايات المتحدة قد دعت وزراء الرى من عدة دول منها مصر وإثيوبيا لزيارة «سد هوفر» أكبر السدود فى الولايات المتحدة والمشاركة فى ورشة عمل عقدت فى ولاية نيفادا عام 2015 حول تعاون الدول التى تتشارك فى الأنهار.

وذلك بهدف بناء الثقة بين الطرفيين وإظهار الاهتمام الأمريكى بالقضية. وتم إرسال مساعد نائب وزير الخارجية للشئون الإفريقية لزيارة مصر وإثيوبيا العام الماضى للاستماع لوجهات النظر المختلفة.

*     *     *

تمثل الجالية الإثيوبية فى الولايات المتحدة بما يزيد عن 400 ألف شخص، عنصرا هاما فى حسابات واشنطن. وقام رئيس الوزراء الإثيوبى آبى أحمد العام الماضى بزيارة لم تقتصر على واشنطن، بل شملت ولايتى مينيسوتا وكاليفورنيا حيت يقيم مئات الآلاف من الإثيوبيين.

وتعد إثيوبيا حليفا قويا لواشنطن فى منطقة القرن الإفريقى وشرق إفريقيا، وأشارت دراسة لخدمة أبحاث الكونغرس إلى أن «إثيوبيا تلعب دورا هاما فى مواجهة تنظيم القاعدة والجماعات التابعة له فى منطقة القرن الإفريقى».

وتعتمد إثيوبيا فى الترويج لموقفها فى واشنطن على البعد الإنسانى الذى تدعمه تقارير رسمية صادرة عن البنك الدولى، والتى تشير إلى حاجة إثيوبيا الماسة للطاقة الكهربائية. ويقول أحد هذه التقارير إن «66% من سكان إثيوبيا يعيشون بدون كهرباء وهى من أعلى النسب فى العالم»، ويتوقع أن يوفر سد النهضة الكهرباء لملايين المواطنين الإثيوبيين.

*     *     *

سيجتمع وزراء خارجية مصر والسودان وإثيوبيا مع مسئولين أمريكيين بواشنطن الأسبوع القادم، وعلى الجانب المصرى أن لا يرفع سقف التوقعات من واشنطن التى تجمعها بإثيوبيا حكومة وشعبا علاقات راسخة، ولا تقتصر فقط على علاقات جيدة بين إدارة الرئيس ترامب والحكومة المصرية.

* محمد المنشاوي كاتب صحفي في الشؤون الأمريكية من واشنطن.

المصدر | الشروق المصرية