الجمعة 1 نوفمبر 2019 07:41 ص

حملة تضليل ضد رئيس تونس الجديد؟

شائعات تظهر أن تجربة تونس الديمقراطية تفضح الأنظمة العربية السائدة وتقلق قوى «الثورة المضادة».

من مصلحة الأنظمة المستبدة تشغيل آليات التطرّف والتشدد والدفع باتجاه الإرهاب لتبرير معاييرها الأمنية الغاشمة.

مثال تونس الديمقراطي يفكّك أساطير أنظمة مستبدة ويكافح الإرهاب بالديمقراطية السياسية والاجتماعية وليس بإرهاب دولة كاسرة.

*     *     *

ترافق استلام قيس سعيّد، الرئيس التونسي الجديد، مهام منصبه مع ظهور شائعات مدسوسة تحاول تأطيره ضمن أشكال استقطاب سياسي عربي وتونسيّ مضحك!

يحاول تزييف الوضع العربيّ القائم وتقسيمه إلى صراع مفترض بين علمانيين وإسلاميين، أو بين السعودية والإمارات ومصر والبحرين من جهة، وقطر وتركيا من جهة أخرى، أو يتراكب أحيانا مع تنميطات وقوالب غربيّة، تصم اتجاهات بالإرهاب وتكافئ تيارات أخرى باعتبارها «مناهضة للإرهاب».

تصدّرت هذه (البروباغاندا) السياسية شائعتان: الأولى تزعم أن قيس سعيّد طلب من العاهل السعودي سلمان بن عبد العزيز عزل ابنه ولي العهد محمد بن سلمان «إذا أراد الملك سلمان الخير لبلاد المسلمين»، فيما تقول الثانية إنه «أهدى فوزه» للرئيس المصري السابق الراحل محمد مرسي.

إضافة إلى الشائعتين الآنفتين فقد اتهم قيس سعيّد أيضا بتعيين مدير ديوان «متشدد» (هو عبد الله باطيب الذي كان دبلوماسيا في نظام زين الدين بن علي وقياديا في «التيار الديمقراطي»)، و«اقتنائه» سيارة فخمة تتجاوز قيمتها نصف مليون دولار (التي هي سيارة تابعة للدولة قامت بنقله إلى مقره الرئاسي)، وحتى أول صلاة جمعة للرئيس أثارت جدلا حيث انتقدت باعتبارها «محاولة لتسويق صورة الرئيس».

إضافة إلى ذلك، وربما كردّ على تصريحات سعيّد بأن «التطبيع خيانة عظمى»، وأن «الوضع الطبيعي لتونس هو أنها في حالة حرب مع إسرائيل»، فقد أعلن إحدى الشخصيات التونسيّة خبرا عن «رحلة لوفد شبابي تونسي من بروكسل إلى تل أبيب»!

وأن الوفد «سيزور مؤسسات إسرائيلية منها الكنيست»، ثم ظهر أن الأمر يتعلّق بزيارة وفد أوروبي من بينه سيّدة من أصل تونسي عضوة في حزب بلجيكي، كما أكدت وزارة الخارجية التونسي.

تكفّل التونسيون أنفسهم بالرد على الشائعات، فيما كان الرئيس الجديد يبدأ أيامه الأولى في الحكم بتحريك المشهد السياسي التونسي حيث بدأ بلقاء الأحزاب ورؤساء القوائم الائتلافية الممثلة في البرلمان.

كما ساهم بتوجيه رئيس الحكومة المؤقتة يوسف الشاهد بإعفاء وزيري الدفاع والخارجية وبدء «تدقيق مالي» في الخارجية و«عدد من المصالح الأخرى»، كما أنه التقى رئيس المجلس الأعلى للدولة في ليبيا مصرحا بأن بلاده ستكون قوة اقتراح لحل الأزمة الليبية، وهو ما يؤكد أن تونس ستتخذ مواقف فاعلة في القضايا الإقليمية والعربية والعالمية.

لا تفعل هذه الشائعات ذات «الرسائل» المتعددة غير توضيح الواضح، وهو أن التجربة الديمقراطية التونسية الفريدة تشكل «فضيحة» للأنظمة العربية السائدة، كما تشكل قلقا وإزعاجا خاصا لقوى «الثورة المضادة»، وهو ما يفسّر التشجيع الذي لقيه المرشح الخاسر نبيل القروي من هذه الاتجاهات.

على المستوى التونسي الداخلي فإن رئاسة سعيّد يفترض أن تساعد في تغيير جوّ الاستقطاب الذي يعتاش على الثنائيات المزيّفة ويتلاعب عليها، فالإشكالية، في تونس وفي غيرها من «بلاد العرب أوطاني»، هي بين توق الشعوب للديمقراطية الحقّة والحريّات السياسية والاجتماعية، من جهة، واستكلاب الأنظمة المستبدة على الاستئثار بالسلطات واحتكار الثروة ضمن عصبة ضيّقة تبدأ من الحاكم وعائلته وأصهاره وأنسبائه.

وتمتد إلى بعض المحازبين والأنصار، مما يضيّق مجالات العيش الكريم والتنمية والعدالة على المواطنين. ومن هنا تنبع المصلحة الكبيرة لهذه الأنظمة بتشغيل آليات التطرّف والتشدد والدفع باتجاه الإرهاب لتبرير معاييرها الأمنية الغاشمة.

مثال تونس الديمقراطي يفكّك أساطير الأنظمة المستبدة ويثبت أن مكافحة الإرهاب هي بالديمقراطية السياسية والاجتماعية وليس بإرهاب الدولة الكاسرة، وعليه فمن المتوقع أن تستمر حملة الأباطيل ضد قيس سعيّد وضد تونس أيضا.

المصدر | القدس العربي