الخميس 7 نوفمبر 2019 05:32 م

تتجه روسيا نحو الشرق الأوسط بشكل متزايد. وقد أنقذت القوات الجوية الروسية نظام "بشار الأسد" من الهزيمة. ويتعين الآن على تركيا و(إسرائيل) قبول وجود القوات الروسية على حدودهما. ومنحت المملكة العربية السعودية الرئيس الروسي "فلاديمير بوتين" كل الترحيب على السجادة الحمراء الفاخرة. وشكر الرئيس الأمريكي "دونالد ترامب" نظيره "بوتين" على تسهيل عملية قتل "أبو بكر البغدادي"، زعيم تنظيم "الدولة الإسلامية".

وفي جميع أنحاء الشرق الأوسط، من شمال أفريقيا إلى الخليج العربي، توجد روسيا في كل مكان، مع زوارها رفيعي المستوى، وأسلحتها، ومرتزقتها، وصفقاتها لبناء محطات الطاقة النووية. وانخرطت روسيا في هذه المنطقة تزامنا مع انسحاب الولايات المتحدة منها، وهو اتجاه لا يمكن حتى لنجاح غارة "البغدادي" إخفاءه.

ولا تبرز أهمية عودة ظهور روسيا بصفتها وسيطا رئيسيا للقوة في الشرق الأوسط فقط لأنها تعد نقيضا للمواقف الخاطئة للولايات المتحدة في المنطقة، ولكن أيضا لأن هذه العودة جاءت لغياب روسيا عن المنطقة لمدة ربع قرن من الزمان. لكن غياب روسيا، وليس عودتها، كان هو الوضع الاستثنائي.

ولقرون، قاتل الروس تركيا وإنجلترا وفرنسا من أجل الوصول إلى البحر الأبيض المتوسط، تحت شعار حماية إخوانهم المسيحيين تحت الحكم العثماني، وتأمين موطئ قدم لروسيا في الأرض المقدسة. وبالنسبة لمعظم فترة ما بعد الحرب العالمية الثانية، كان الاتحاد السوفيتي قوة رئيسية في الشرق الأوسط. ودعمت موسكو منظمة التحرير الفلسطينية في كفاحها ضد "الكيان الصهيوني". وشنت مصر وسوريا حروبا ضد (إسرائيل) بالأسلحة السوفيتية، بمساعدة من المستشارين العسكريين السوفيت، وحتى في بعض الأحيان بمشاركة الطيارين السوفيت. وساعد المهندسون الروس والمال السوفيتي في بناء سد أسوان في مصر. ثم، في أواخر الثمانينات، وقع الاتحاد السوفيتي في أوقات عصيبة، وانسحب من المنطقة بسرعة. وخلال العقدين التاليين، سجلت روسيا بالكاد وجودا في الشرق الأوسط. واعتادت الولايات المتحدة على التصرف بصفتها المهيمن الوحيد في المنطقة؛ حيث شنت الحروب، وأملت رؤيتها السياسية، وعاقبت الحكومات التي تحدت إرادتها.

وكان هذا هو الوضع الطبيعي الجديد حتى عام 2015. وفي خريف ذلك العام، أرسلت روسيا جيشها إلى سوريا. وكان من المتوقع على نطاق واسع أن ينتصر تحالف من جماعات المعارضة المدعومة من الولايات المتحدة في الحرب الأهلية في ذلك البلد في الإطاحة بنظام "بشار الأسد". لكن تحرك "بوتين" الجريء، وبراعة جيشه غير المتوقعة، سرعان ما غيرت مجرى الأحداث، ما يدل على أن الشرق الأوسط بدون روسيا كان في الواقع خروجا عن القاعدة، وليس القاعدة. واعتاد الشرق الأوسط على وجود روسيا كوسيط قوة رئيسي. وبالفوز في الحرب في سوريا، تسعى روسيا إلى إعادة المجد القديم.

ماذا تريد روسيا؟

ومن وجهة نظر موسكو، كانت العودة إلى سياسات استعراض القوة في الشرق الأوسط خطوة معقولة، بل وضرورية، في عام 2015. وكان نظام "الأسد" آخر وكيل متبقٍ لروسيا في المنطقة، وكانت موسكو تعمل معه منذ نصف قرن. وقبل لحظة التدخل الروسي، كان "الأسد" قد انهزم تقريبا من قبل تحالف من جماعات المعارضة المدعومة من الولايات المتحدة. وكان إنقاذ النظام السوري ضرورة إذا أرادت روسيا الاحتفاظ بموطئ قدم في الشرق الأوسط، وحوز فرصة لتوجيه ضربة للولايات المتحدة، وربما امتلاك طريق لجعل روسيا عظيمة مرة أخرى.

علاوة على ذلك، كانت لدى روسيا مخاوف أمنية داخلية بشأن التداعيات الناجمة عن القتال السوري. وأفادت التقارير أن بعض الجماعات الأكثر تشددا في الحرب الأهلية السورية ضمت مئات، وربما الآلاف، من المقاتلين الروس في صفوفهم. وكان قرب روسيا الجغرافي من الشرق الأوسط، والحدود التي يسهل اختراقها، يعني أن محاربة "الإرهابيين" في سوريا أكثر منطقية من انتظار "وصولهم إلى منزلنا"، على حد تعبير "بوتين".

وبحلول خريف عام 2015، عندما أرسل "بوتين" قواته الجوية والبرية إلى سوريا، أوضحت الولايات المتحدة بصرامة أنها لن تتدخل مباشرةً في الحرب الأهلية السورية. وكان خطر المواجهة العسكرية مع الولايات المتحدة ضئيلا للغاية. وبقي خطر الاصطدام عن طريق الصدفة، لكن تم حل ذلك من خلال اتفاق فك الارتباط، الذي كان في حد ذاته انتصارا للجيش الروسي على الولايات المتحدة، التي كانت حرة في السابق للعمل في سوريا حسب رغبتها، قبل أن تجد نفسها مضطرة لتنسيق أنشطتها مع روسيا.

ووفرت الحملة التي قادتها الولايات المتحدة ضد "تنظيم الدولة" غطاءً مناسبا لنشر قوات روسيا في سوريا، مما ساعد على تجنب أي اعتراضات من واشنطن. واستفاد الجيش الروسي استفادة كاملة من هذا الغطاء، حيث قصف أهدافا مدنية دون تمييز تحت ستار ملاحقة الإرهابيين والمتطرفين. ودفع السكان المدنيون ثمنا باهظا لطريقة الحرب التي قام بها الجيش الروسي. ولكن ما الذي يمكن توقعه من جيش طمس مدينة جروزني خلال الحرب في الشيشان في التسعينيات؟

ومن وجهة نظر موسكو، كانت العملية السورية ناجحة. وقد أثبت أن سوريا لم تكن المستنقع الذي تنبأ به البعض، وأن التدخل لم يكلف روسيا الكثير من الدماء أو المال. وبالأحرى، أعاد التدخل موسكو إلى موقع الصدارة في الشرق الأوسط، وأثبت براعة الجيش الروسي مجددا ووفر فرصا كبيرة لاختبار الأسلحة والمفاهيم الجديدة، ومنح موسكو فرصة لتسويق أسلحتها في المنطقة. والآن أيضا، يعلم الجميع في المنطقة أن روسيا تقف إلى جانب رجالها، على عكس الولايات المتحدة، التي تتخلى عنهم في أول علامة على وجود مشكلة، كما فعلت مع الرئيس المصري السابق "حسني مبارك" عام 2011.

وسيط قوة جديد

وتخوض كل من إيران و(إسرائيل) والمملكة العربية السعودية حربا عنيفة بالوكالة في سوريا، وقد وضع الكرملين نفسه بصفته وسيط القوة الذي يجب على جميع الممثلين التحدث إليه. ويمكن لروسيا أن تتحدث مع الجميع، وهي على علاقة جيدة مع الجميع، لذلك فلا غنى عنها.

ولكن في منطقة تمزقها خطوط الصدع الدينية والأيديولوجية والجيوسياسية، حيث الخصومات قديمة وشرسة، يجب أن يكون وسيط القوة قادرا على فعل ما هو أكثر من التحدث مع جميع اللاعبين. ويرغب أصدقاء روسيا الجدد في الحصول على شيء مقابل صداقتهم. وتريد (إسرائيل) من روسيا كبح جماح إيران و"حزب الله" في سوريا، بينما تظل إيران وحزب الله عازمين على شن حملتهما ضد الدولة اليهودية. ويريد السعوديون من روسيا أن تقف إلى جانبهم في تنافسهم مع إيران، لكن روسيا استثمرت الكثير في علاقتها مع إيران، وهي ليست على وشك التضحية بها من أجل تحسين العلاقات مع (إسرائيل) أو السعودية. وأوضح "نيكولاي باتروشيف"، أمين مجلس الأمن الروسي، هذه النقطة في يونيو/حزيران الماضي في القدس؛ حيث رفض الاتهامات الأمريكية والإسرائيلية لإيران بأنها أكبر تهديد لأمن الشرق الأوسط. ووصف الضربات الإسرائيلية لطهران بأنها "غير مرغوب فيها".

وتريد روسيا بدورها أشياء أيضا. وبعد أن ربحت الحرب في سوريا، فإنها تحتاج إلى الظفر بالسلام. وسيكون التوصل إلى تسوية سياسية في سوريا هو الإنجاز المتوج لمسعى موسكو العسكري. وستظهر روسيا بشكل قاطع كوسيط قوة مساوٍ للولايات المتحدة، أو حتى أكثر أهمية، بعد أن نجحت حيث فشلت واشنطن. وسوف تتجاوز رسالة القوة العسكرية الروسية، والمهارة الدبلوماسية للروس، الشرق الأوسط، وتعزز مطالبة البلاد بالاعتراف بها كقوة عالمية كبرى. وبعد تأمين السلام في سوريا، قد تعتمد روسيا على أوروبا والدول العربية الغنية لتمويل إعادة إعمار البلاد. ومع ذلك، ستأتي عقود مربحة للشركات الروسية الصديقة للكرملين.

لكن الفوز في معركة السلام يثبت دائما أنه ليس أقل صعوبة من كسب الحرب. ومن أجل التوسط في سلام دائم، ستحتاج روسيا إلى كبح جماح إيران وحزب الله، وطمأنة (إسرائيل) وتركيا بشأن أمنهما. وفي الوقت الحالي، لا أوروبا ولا أي جهة أخرى تبدي استعدادا لدفع فاتورة إعادة الإعمار الضخمة. ولا يمكن لروسيا حل هذا اللغز دون إغضاب بعض أصدقائها.

وتعد عودة روسيا إلى المنطقة نوعا من التصالخ مع شرق أوسط جديد تتمتع فيه واشنطن بحضور أقل. لكن قلة من الحكومات في المنطقة، إن وجدت، تتوقع حقا أن تملأ روسيا الفراغ الذي تتركه الولايات المتحدة أثناء انسحابها من المنطقة لتركيز اهتمامها ومواردها في أماكن أخرى.

ولا يمكن أن يخفي أداء الجيش الروسي في سوريا، واستقبال "بوتين" الحار في السعودية، حقيقة أن الاقتصاد الروسي يعاني، ويحتاج بشدة إلى الاستثمار. وبالنسبة للكرملين، تقدم دول الخليج العربية الغنية فرصة لجمع المال. كما أنه ليس سرا أن ميزانية مشتريات الجيش الروسي لا تزال متواضعة إلى حدٍ كبير، وتبقى مبيعات الأسلحة الأجنبية مصدرا رئيسيا لإيرادات الصناعات الدفاعية الروسية. وينطبق الشيء نفسه على صناعة الطاقة النووية في روسيا التي تعد فخر الصناعات الروسية. ومع ذلك فإن شركة "روساتوم"، التي تحتكر أعمال الدولة في مجال الطاقة النووية، لم تبن بعد محطة واحدة إلى جانب محطة "بوشهر" في إيران، التي استغرقت عقودا حتى اكتمالها. ووقعت شركة "روساتوم" عقدا عام 2010 لبناء محطة للطاقة النووية في تركيا، لكن البناء بدأ فقط في عام 2018. وفي مصر، لم يبدأ البناء في مشروع الضبعة بعج، في حين ألغى الأردن عقده مع شركة "روساتوم" في عام 2018.

وتتركز العلاقات المركزية لروسيا في الشرق الأوسط مع ثلاث دول غير عربية، وهي إيران وتركيا و(إسرائيل)، وكلها تعد دولا مستقرة مقارنةً بجيرانها العرب. وليس لدى روسيا الكثير لتقدمه للمجتمعات العربية في المنطقة، التي تحتاج إلى الأمن والاستقرار وفرص التحديث السياسي والاقتصادي. ولن تحقق الزيارات رفيعة المستوى، ومبيعات الأسلحة، تلك الغايات.

ومع ذلك، لا يمكن النظر إلى عودة روسيا إلى الشرق الأوسط باعتبارها غير جوهرية ولا أنها تهديد للمصالح الأمريكية بشكل مطلق. ونظرا لأن الولايات المتحدة تعيد النظر في مصالحها والتزاماتها في المنطقة، فقد تجد مجالات تتوافق فيها المصالح الأمريكية والروسية. على سبيل المثال، تمكنت الولايات المتحدة وروسيا من العمل سويا بشأن الاتفاق النووي الإيراني عام 2015.

لقد عادت روسيا إلى الشرق الأوسط، ولا يبدو أنها تخطط للمغادرة. وساهمت التحركات الروسية خلال الأعوام الأخيرة في إعادة تعريف موقع الولايات المتحدة وإعادة تحديد مصالحها. وتوفر هذه التطورات فرصة لسياسة الولايات المتحدة الجديدة في الشرق الأوسط للعمل على مجموعة من الأهداف المتواضعة، لكنها في النهاية أكثر واقعية وإنتاجية.

المصدر | يوجن رومر - فورين أفيرز