الاثنين 4 نوفمبر 2019 06:04 م

تنافسٌ بين القضاء على «داعش» وإعادة إنتاجه

يستشعر العرب كغيرهم تخلياً من الإدارة الأميركية الحالية عن خطط التصدي لأسباب الإرهاب والتطرف الفكرية والاجتماعية.

«داعش» كان مشروعا تخريبياً استفادت منه دول كثيرة ولا يخفى أن العرب والمسلمين كانوا الخاسر الأكبر.

توقيت الإعلان عن مقتل البغدادي خضع لحسابات ترامب الداخلية وحاجته لانتصار يحدث «صدمة إيجابية» تفشل مساعي النواب لتنحيته.

*     *     *

لم يتأخر التشكيك في رواية مقتل زعيم تنظيم «الدولة الإسلامية/ داعش»، بل انفردت به موسكو بعد وقت قصير من المؤتمر الصحافي الانتصاري الذي عقده الرئيس الأميركي لإعلان تفاصيل «الشيء الكبير» الذي غرّد بحصوله فور انتهاء العملية.

ولم يكتفِ الجانب الروسي بنفي أي إبلاغ أو تنسيق مع الجانب الأميركي بل انتقل إلى إضفاء غموض على العملية نفسها. ورغم أن إعلان التنظيم مقتل زعيمه وتسمية خلفه أبوإبراهيم الهاشمي القرشي حسم كل جدل على غياب أبو بكر البغدادي، إلا أن التشكيك في الرواية استمر بسبب تناقضات في التفاصيل بين ما عرضه دونالد ترمب والبنتاغون.

ثم طرأ ما جدّد التشكيك، وهو سرعة تعيين الخلف، أو «الخليفة؟»، قبل مضي أسبوع على الحدث، إذ كان المحللون المختصّون رجّحوا افتراض أن وقتاً غير قصير سيمضي قبل أن يُعرف اسم الخلف، نظراً إلى خلافات وتنافسات بين الأجنحة السعودية والعراقية والتونسية في التنظيم وصعوبات تؤخّر اجتماع «مجلس شورى التنظيم».

لكن الخطوة تمّت وكأن هذا المجلس لم يصطدم بمعوقات أمنية، أو أنه كان في حال انعقاد وتوصّل إلى قراره من دون تأخير. لذلك تعزّزت فرضية أن البغدادي قد يكون قُتل قبل فترة وفي ظروف مختلفة.

بل إن موسكو لمّحت إلى أنه لم يُقتل في المكان الذي حددته واشنطن، وبالتالي فإن توقيت الإعلان عن مقتله خضع لحسابات السياسة الداخلية لترمب، وحاجته إلى انتصار يحدث «صدمة إيجابية» تفرمل مساعي مجلس النواب لتنحيته.

تبقى هذه التفاصيل شكلية وغير جوهرية، لكنها تطرح مجدداً تساؤلات عن ظروف نشوء هذا التنظيم وظهوره متمتّعاً بقدرات كاملة على السيطرة والاحتلال في وقت قياسي، كما تثير تساؤلات عن مستقبله، خصوصاً أن عدداً كبيراً من الدول والأجهزة اخترقه، وباتت تملك كمّاً هائلاً من المعلومات عنه.

وفيما اتضح أن «داعش» كان مشروعا تخريبياً استفادت منه دول كثيرة، ولم يعد خافياً أن العرب والمسلمين عموماً كانوا الخاسر الأكبر والوحيد من وجود التنظيم وممارساته الوحشية، لذلك فهم معنيّون قبل سواهم بالقضاء عليه.

وبما أنهم شاركوا في جهود «التحالف الدولي»، فمن الطبيعي أن يذكّروا القيادة الأميركية لهذا التحالف بأن الخطط التي أُقرّت قبيل الحرب على «داعش» وخلالها تقتضي المضي في التصدّي للأسباب الفكرية والاجتماعية لظاهرتي التطرّف والإرهاب، وبالأخصّ للأسباب السياسية.

لكنهم يستشعرون، مثلهم مثل الأوروبيين والآسيويين، تخلياً من الإدارة الأميركية الحالية عن تلك الخطط.

لكن الأهم أن الجانب العربي بات أكثر يقيناً بأن ثمة جهة أو جهات ساهمت في تصنيع تنظيم «داعش»، وتحكّمت بشكل أو بآخر في وظيفته وتحرّكاته، وليس مؤكّداً أنها تسعى إلى إنهاء وجوده، بل تبقيه مشتتاً وضعيفاً في انتظار إعادة إنتاجه.

* عبد الوهاب بدرخان كاتب وصحفي لبناني

المصدر | العرب القطرية