الأربعاء 6 نوفمبر 2019 06:25 م

مع اقتراب الصراع في اليمن من عامه الخامس، يبدو أن سلسلة الأحداث الكارثية تزداد مع مرور كل يوم. وتنقسم البلاد بين سلطتين متوازيتين، الحوثيون في الشمال، وحكومة الرئيس "عبدربه منصور هادي" في الجنوب، حيث فشل كلا الطرفين في إخضاع الآخر. وازداد الوضع تعقيدا مع ظهور أطراف أخرى ذات أيديولوجيات متباينة، أبرزها تنظيم "القاعدة"، والمجلس الانتقالي الجنوبي المدعوم من الإمارات العربية المتحدة. ومنذ أن تحول النزاع من حرب أهلية إلى حرب بالوكالة من خلال تدخل الدول الأجنبية، بدا من غير المرجح أن تكون هناك نهاية فورية لهذه الكارثة. وعلى أي حال لا يزال السكان اليمنيون يتحملون العبء الأكبر.

ولم يتسبب القصف السعودي لليمن، الذي كان يهدف لسحق التمرد الحوثي والتصدي للنفوذ الإيراني في البلاد، فقط في أضرار لا يمكن إصلاحها في اليمن، بل ترك المملكة العربية السعودية نفسها عرضة لهجمات الحوثيين. وكان هجوم 14 سبتمبر/أيلول 2019 على مرافق شركة أرامكو السعودية، الذي ادعى الحوثيون المسؤولية عنه، أكثر الهجمات ضررا بالسعودية على الإطلاق. علاوة على ذلك، يزعم الحوثيون أنهم قتلوا 500 جندي سعودي، واعتقلوا 2000 آخرين، الأمر الذي يعد إهانة كبيرة للمملكة. وقد أظهر ذلك أيضا القدرات العسكرية الكبيرة للحركة الحوثية، التي سبق أن أنكرتها السعودية.

ويدل حجم الهجمات أيضا على يأس الحوثيين بعد 5 أعوام من القتال العنيف دون وصول المساعدات الإنسانية بسبب الحصار. ويظهر الهجوم أن الحوثيين قد قرروا إنهاء الحرب بأي من الوسائل المتاحة، إما بالإكراه أو بالتفاوض. وبعد أن رفضت المملكة خطة الحوثيين للسلام، أجبر الهجوم على أرامكو القيادة السعودية على التفكير في المفاوضات. لكن الموقف التفاوضي لكلا الجانبين يتغير، حيث يكتسب الحوثيون المزيد من القوة، بينما يواجه التحالف السعودي انقسامات داخلية، وبالتالي يكتسب مزيدا من الضعف.

انقسام وتفكك

وكانت الحركة الانفصالية الجنوبية، المعروفة باسم "المجلس الانتقالي الجنوبي"، متحالفة في البداية مع حكومة "هادي". ومع ذلك، كانت أهداف كلا الطرفين متباينة بشكل كبير. ولطالما كافح المجلس الجنوبي لاستقلال جنوب اليمن عن الحكومة المركزية، في حين يسعى "هادي" إلى الحصول على سلطة شاملة على البلاد بأكملها. وفي الآونة الأخيرة، انفصل المجلس الانتقالي بشكل قاطع عن حكومة "هادي"، ويسيطر الآن على عدن، وبهذا، فقد "هادي" الآن كلتا العاصمتين، صنعاء وعدن. وعلى الرغم من توقيع اتفاق بين حكومة "هادي"، المدعومة من السعودية، والمجلس الانتقالي الجنوبي، المدعوم من الإمارات، إلا أنه من غير المرجح أن يتخلى المجلس عن مطالبه بالحكم على جنوب اليمن كدولة منفصلة على المدى الطويل. كذلك، أصبح مدى الدعم السعودي لحكومة "هادي" موضع شك بعد الهجوم على "أرامكو"، وقتل وأسر مئات القوات السعودية في أغسطس/آب، على الرغم من أن أعداد وجنسياتالجنود لا تزال موضع خلاف.

وفي ظل هذه الظروف، يكون الخيار الأقرب هو تقسيم اليمن إلى قسمين. ولهذا سابقة تاريخية، لأن اليمن الحديث لم يكن موجودا كدولة واحدة إلا منذ عام 1990 وما بعده. وقبل ذلك، كان اليمن دائما منفصلا بين الشمال والجنوب. وتم حكم دولة الشمال أولا من قبل الحكم "الزيدي" الثيوقراطي، قبل أن يخضع لسلطة قومية عربية استبدادية في النصف الثاني من القرن العشرين. أما الجنوب فقد ظل لفترة طويلة متقليا وغير مستقر.

يكمن الأول في الواقع الديموغرافي للمنطقة. فعلى الرغم من أن الجنوب يشكل نحو 70% من أراضي اليمن، إلا أن عدد التفرق الجغرافي لسكانه جعلهم يبقون تحت حكم السلطات القبلية، دون أن تتمكن أي سلطة مركزية من السيطرة. ثانيا، مع وصول البريطانيين في أواخر القرن التاسع عشر، أصبح جنوب اليمن محمية بريطانية حتى عام 1963. ومن ثم، لم تمر المنطقة الجنوبية بتجربة الحكم المركزي. ولم يتم نقل السلطة السياسية إلى السكان الأصليين إلا في عام 1967، بعد صراعٍ مسلح ضد الاستعمار البريطاني. ومع ذلك، استمر شمال اليمن في الهيمنة، حيث كان له هياكل سياسية أكثر تطورا، واقتصاد أفضل لدعم جيشه.

وهناك دليل آخر يدعم سيناريو تقسيم اليمن، وهو الخلاف السياسي بعد فترة قصيرة من الوحدة عام 1990. وبما أن الشمال، تحت قيادة الرئيس آنذاك، "علي عبدالله صالح"، كان حريصا على حوز أقصى قدر من السلطة، لم يتمكن قادة الجنوب من دمج أنفسهم في جهاز الدولة الجديد. وسرعان ما أدى ذلك إلى إعلان دولة جنوبية منفصلة من جديد عام 1994. ومنذ ذلك الحين، أدى القتال بين الحكومة والانفصاليين إلى تدهور وضع البلاد، وقد زادت ثورة الحوثيين، التي تهدف إلى تأمين حصتهم في الساحة السياسية، من تصعيد الوضع. وهكذا، منذ توحيده، لم يتمكن اليمن من رعاية مجتمعٍ تعددي، مع وجود خلافات كبيرة على القومية الموحدة.

الخيار الحتمي

ويبقى التقسيم ربما الخيار الوحيد الذي يضمن مصالح كل الفاعلين المشاركين في النزاع. وفي الداخل، لا يمكن للحوثيين التقدم إلى ما وراء الشمال، لأنهم سيواجهون معارضة صاخبة في الجنوب بسبب التوترات الطائفية. وبالمثل، مع زيادة قوة الحوثيين في الشمال، من غير المرجح أن تتمكن حكومة "هادي" من السيطرة هناك. وحتى في حالة استعادتها للأراضي، فسوف يستمر تمرد الحوثيين. 

وأخيرا، تشجع البيئة الجيوستراتيجية أيضا تقسيم اليمن. فمن شأن حل الصراع في اليمن أن يوفر فرصة للتقارب بين إيران والسعودية، مما يقلل من عدم الاستقرار الإقليمي. وأيضا، نظرا لأن شمال اليمن سيصادق عليه المجتمع الدولي كدولة منفصلة، يمكن بدء الاتصالات الدبلوماسية بين السعودية والحوثيين. وسيكون لهذا نتيجتان إيجابيتان. إحداها هي حماية الحدود السعودية والمنشآت البارزة مثل المطارات ومصافي النفط من هجمات الحوثيين. والثاني هو التوقف الدائم للغارات الجوية السعودية، التي أودت بحياة الآلاف من المدنيين. وأيضا، سيتم إزالة الحصار، وتتبعه سريعا المساعدات الدولية. وهكذا، على الصعيدين المحلي والإقليمي، قد يكون تقسيم اليمن هو الخطوة الحتمية من أجل جلب بعض السلام إلى اليمن الممزق بالحرب.

** المقال المنشور يعبر عن رأي كاتبه

المصدر | فراز نقفي - مركز الشرق الأوسط بكلية لندن للاقتصاد والعلوم السياسية