الأربعاء 6 نوفمبر 2019 12:43 م

«كُلّنْ يعني كُلّنْ»

الناس يتحررون ولو بالتدريج من أسر زعماء طوائف تحولوا إلى سرّاق للمال العام حين وجدوه مستباحاً.

الطريق نحو إسقاط المحاصصة الطائفية في العراق ولبنان طويل لكن الناس وضعت أقدامها على الطريق وعنه لن تعود.

مقتدى الصدر صاحب أكبر قوائم مجلس النواب طلب من جمهوره النزول إلى الشوارع ونزل بنفسه.

سقطت الهالات عن كل الزعماء فما من استثناء لزعيم أو رمز مهما سعى هو أو أنصاره لإضفاء رمزية من أي نوع عليه.

*     *     *

أحد النشطاء اللبنانيين في الحراك الشعبي في ساحات بيروت قال لإحدى محطات التلفزة: ليست المرة الأولى التي يقول فيها المحتجون مخاطبين رموز منظومة السلطة والمال في بلادهم: «كُلّن يعني كُلن»!

لكن هناك جديداً مهماً هذه المرة. في المرات السابقة كان لسان حال جمهور كل طائفة أو زعيم يقول: «كُلّن» ما عدا زعيمنا، إنه مختلف عن البقية. الآخرون هم الفاسدون، أما هو فلا. أي أنهم كانوا يلتمسون لهذا الزعيم العذر أو الحجة كي لا يكون مشمولاً ب: «كُلّن».

هذه المرة سقطت كل الهالات عن كل الزعماء. ما من استثناء لزعيم أو رمز، مهما سعى هو أو من هم حوله لإضفاء رمزية من أي نوع عليه.

الجمهور المسيحي تظاهر ضد الزعماء المسيحيين وسواهم، والجمهور الشيعي تظاهر ضد الزعماء الشيعة وسواهم، والجمهور السني فعل الشيء نفسه. ما من منطقة أو طائفة في لبنان كانت خارج هذا السياق. الزعماء جميعاً في الدائرة نفسها. لا أحد خارجها.

أكثر ما أزعج الزعماء، كلهم وبدون استثناء، أن الجمهور المتنوع بما فيه جمهورهم المفترض وَضَعهم حيث هم فعلاً، في دائرة السلطة والقرار والنفوذ والمحاصصة.

لذلك تسابقوا للزعم بأنهم مع الحراك الشعبي، يتفهمون مطالبه، ويدعمونها، ولم يتردد بعضهم في سحب وزرائه من الحكومة، كما فعل زعيم القوات اللبنانية سمير جعجع حتى قبل أن يعلن رئيسها رفيق الحريري استقالتها، وبينهم من أوعز لأنصاره بالنزول مع المحتجين في الشوارع، ليدعي البراءة من«كُلّن».

في العراق حدث شيء مشابه. مقتدى الصدر صاحب القائمة الكبرى في مجلس النواب، والذي تشكّلت الحكومة الحالية بتوافق بينه وبين القائمة التي تمثل الحشد الشعبي، طلب من جمهوره النزول إلى الشوارع.

بل إنه شخصياً نزل إلى شوارع مدينة النجف في سيارة مطوقة بحشود أنصاره، ليقولوا: إنه مع الشعب، في اللحظة ذاتها كان رصاص قوى الأمن والميليشيات الطائفية ينهمر على صدور المتظاهرين في مدينة كربلاء القريبة، ليتساقط عشرات القتلى والجرحى.

لم يعد كل ذلك يجدي. الناس يتحررون، ولو بالتدريج، من أسر زعماء الطوائف الذين تحولوا إلى سرّاق للمال العام، حين وجدوه مستباحاً. لهم البرلمان ولهم الحكومة ولهم مجالس المحافظات، وقبل هذا وبعده تحت تصرفهم ميليشيات مسلحة جاهزة للتدخل لحماية تلك المصالح.

الطريق نحو إسقاط منظومات المحاصصة الطائفية في العراق ولبنان طويل، لكن الناس وضعت أرجلها على هذا الطريق، وعنه لن تعود.

* د. حسن مدن كاتب صحفي من البحرين

المصدر | الخليج - الشارقة