السبت 9 نوفمبر 2019 07:16 م

شهدت المملكة العربية السعودية، الأسبوع الماضي، اللحظة التي انتظرها طويلا ولي العهد السعودي "محمد بن سلمان"؛ حيث أطلقت "أرامكو"، شركة الطاقة العملاقة المملوكة للدولة، الاكتتاب العام الأولي الخاص بها. لكن هذه الخطوة جاءت أقل طموحا مما كان مخططا له في الأصل.

ففي الوقت الحالي، سيتم إدراج الشركة فقط في البورصة المحلية "تداول". أما الجزء الدولي من العملية، الذي تمت مناقشته على نطاق واسع، وعارضه البعض داخل العائلة المالكة، فقد تم تأجيله مرة أخرى.

ولا تزال هناك مخاوف بشأن فتح سجلات أهم شركة في المملكة أمام الفحص الدقيق، وكذلك ما يعنيه ذلك من عكس لمسار عملية التأميم التي بدأت منذ عقود، والتي يفخر بها السعوديون.

ومع ذلك، لا يزال الاكتتاب العام المحلي يعالج، إلى حد ما، أولويات "بن سلمان" المتمثلة في زيادة رأس المال لصالح صندوق الاستثمار العام، وذلك لدعم مبادرات التنويع الاقتصادي في خطته "رؤية 2030"، وتوطيد نموذجه لصنع القرار على أساس عقلية "الزعيم الواثق"، على الرغم من التقاليد الراسخة.

وعلى مستوى أكثر استراتيجية، تعتبر العملية ذات أهمية رمزية كمحاولة لطي صفحة الهجمات التي طالت البنية التحتية لأرامكو في "بقيق" و"خريص" في سبتمبر/أيلول 2019، وما روجت له من أفكار حول أن سياسات إيران الحازمة قد أحدثت نتائج خطيرة أثبتت هشاشة جوهرة التاج الاقتصادي في المملكة، حيث تبذل الرياض محاولة جادة لمعالجة هذا الإحساس بالضعف.

الصبر الاستراتيجي السعودي

وقبل شهر سبتمبر/أيلول، توقع عدد قليل في الرياض أن يقوم الحرس الثوري الإسلامي بتدبير أو دعم هجوم مباشر ضد البنية التحتية النفطية الرئيسية في السعودية. وبالنظر إلى أن علاقات السعودية مع الولايات المتحدة قد تحسنت بشكل ملحوظ في ظل إدارة "دونالد ترامب"، توقع القادة السعوديون أن يتمكنوا من الاعتماد على فعالية الردع العسكري الأمريكي.

ومع شعورهم بالصدمة من حقيقة أن الردع المذكور لم يردع حقا، فقد أصبحوا أكثر قلقا حول رد الفعل السلبي للبيت الأبيض الذي ترك المملكة لتحمل المسؤولية وحدها.

ونظرا لأن السعودية لن تبدأ أبدا تصعيدا رسميا للصراع مع إيران، فقد لجأت الرياض رسميا إلى ما أسمته "الصبر الاستراتيجي"، وأيدت فرض مزيد من العقوبات الأمريكية، وأصرت على أن الضغط الاقتصادي سيعيد إيران إلى طاولة المفاوضات من موقف أضعف.

ولكن في الوقت نفسه، دقت هجمات سبتمبر/أيلول جرس الإنذار بأن الرهان على "ترامب" لمواجهة إيران قد يؤدي إلى نتائج عكسية. ويتخوف البعض في الرياض من أن "ترامب"، الذي يركز بالفعل على إعادة انتخابه، قد يحاول إبرام صفقة متعجلة مع الإيرانيين لتعزيز مكانته في الداخل على حساب الأولويات السعودية. وفي هذا السياق، يتمثل هدف الرياض الأساسي في تجنب المزيد من الهجمات.

وبالتالي، تسعى المملكة بنشاط إما إلى وقف التصعيد. وقد استجابت الرياض للرسائل التصالحية التي قدمتها طهران عبر رئيس الوزراء الباكستاني "عمران خان". وهناك افتراض بأنه من غير المرجح أن يكون هناك هجوم إيراني آخر بينما تستمر محاولات الحوار. وكانت المملكة أكثر استجابة من المعتاد لدعوات الكويت والولايات المتحدة المتجددة لإحراز تقدم نحو حل النزاع مع قطر الذي بدأ عام 2017.

وانتهزت السعودية الفرصة لإعادة فتح محادثات مباشرة مع المتمردين الحوثيين الذين تدعمهم إيران في اليمن، الذين يخشون أن يتم التضحية بهم ككبش فداء بسبب هجمات "أرامكو" وأن يتعرضوا للانتقام الدولي. كما توسطت الرياض بنشاط، بدعم من أبوظبي، في اتفاقية بين المجلس الانتقالي الجنوبي اليمني وحكومة "عبد ربه منصور هادي"، وهي اتفاقية قد تمنع نشوب حرب أهلية داخل الحرب الأهلية الأكبر في اليمن، على الأقل في الوقت الحالي.

أقل مغامرة

وبينما بدأ هذا الاتجاه الأقل مغامرة في أواخر عام 2018، عندما استعاد أفراد الحرس القديم، مثل وزير الدولة "مساعد العيبان" مناصب رئيسية في الحكومة السعودية في أعقاب مقتل "جمال خاشقجي"، فقد تسارع في الشهرين الماضيين. ويبدو أن العديد من هذه التطورات تكتيكية وليست استراتيجية، لكن على الأوروبيين اغتنام هذه الفرصة لمحاولة دفع اللاعبين الخليجيين خطوة إلى الأمام في العملية الطويلة المضنية للتوصل إلى انفراجة مستدامة.

ولم ترفض المملكة رسميا مناقشة مبادرة الرئيس الفرنسي "إيمانويل ماكرون" لإحياء الاتفاق النووي الإيراني، الذي يثير مسألة مخاوف دول الخليج العربية من الصواريخ الباليستية الإيرانية وسياستها الإقليمية.

وهذا الشهر، أعلنت وزارة الخارجية السعودية أنها تعمل على إطار شراكة استراتيجية مع فرنسا. ويتواصل "بن سلمان" مباشرةً مع "ماكرون".

لكن مبادرة "ماكرون" لها قيود. أولا، على الرغم من أنها تحظى بدعم خاص من ألمانيا وبعض العواصم الأوروبية الأخرى، إلا أن الخطة ذات طابع شخصي بشكل كبير في هذه المرحلة، مما قد يتركها مع وقود دبلوماسي أقل مما تحتاجه للدخول إلى حيز التنفيذ.

ثانيا، من غير الواضح إلى أي مدى ستدعم الولايات المتحدة المبادرة. وأخيرا، والأهم من ذلك، أن إيران لن تجلس على الطاولة في موقف ضعف بحثا عن حل وسط.

وفي الواقع، تقبل الرياض الآن أن الدبلوماسية والمفاوضات هما السبيل الوحيد المستدام للمضي قدما للقوى الإقليمية، إذا كان عليها أن تتعايش في هذا الواقع الجيوسياسي المتغير.

ومع ذلك، نظرا لأن توقيت هذه المفاوضات وسياقها وظروفها الهيكلية ستحدد موقع المملكة في المستقبل في أي ترتيب إقليمي، فإن العوامل الثلاث السابقة لها أهمية كبيرة بالنسبة للسعوديين.

لهذا السبب، فإن الرياض ليست مستعدة للدخول الآن في محادثات شاكلة حول الأمن الإقليمي، ولكنها مستعدة للتفاوض بشأن كل قضية على حدة. وإذا أراد الأوروبيون، تحت القيادة الفرنسية، تحقيق المزيد من النتائج الدائمة، بخلاف المناورات التكتيكية القائمة، فعليهم تضييق تركيزهم على بعض القضايا الإقليمية التي تتختلف فيها الرياض وطهران والسعي نحو التوصل إلى حل متوازن ومستدام من الناحية الجيوسياسية لهذه القضايا.

ولن يكون هذا أكثر واقعية من مبادرة "ماكرون" فحسب، بل قد يُرسي أيضا أرضية مهمة للمحادثات الدولية المستقبلية حول دور إيران في المنطقة.

المصدر | سينزيا بيانكو - المجلس الأوروبي للعلاقات الخارجية