الأحد 10 نوفمبر 2019 11:18 ص

زار الرئيس الروسي "فلاديمير بوتين" أبوظبي لأول مرة منذ 12 عاما، في 15 أكتوبر/تشرين الأول الماضي، ما يمثل تطورا مهما في علاقات موسكو مع الإمارات العربية المتحدة.

ورسخت زيارة "بوتين" علاقات ثنائية أكثر متانة مع الإمارات، بما في ذلك الروابط التجارية والاقتصادية، حيث تم توقيع اتفاقيات بقيمة 1.4 مليار دولار. كما تم تعزيز العلاقات الثقافية والأكاديمية، مع محادثات حول توسيع الشراكة في مجالات تطوير الذكاء الاصطناعي والتعاون في مجال الطاقة والاتصالات، فضلا عن مشتريات الإمارات للطائرات والمروحيات الروسية.

وفي حين أن كل هذا يؤمّن العلاقات بين الدولتين، فسوف يتم ترجمة علاقاتهما المزدهرة إلى مزيد من التعاون الإقليمي، الذي يحرص كلا من "بوتين" وولي عهد أبوظبي "محمد بن زايد" على توطيده.

وخلال الاجتماع، أشاد ولي عهد أبوظبي "بأهمية ونطاق العلاقات الاستراتيجية بين الإمارات وروسيا".

وفي الوقت نفسه، أقر الرئيس الروسي بمصالحهما الإقليمية المتبادلة، قائلا: "نحن نوسع العلاقات في المجالات التجارية والاقتصادية والثقافية والإنسانية، ونحافظ على تنسيق وثيق في الشؤون العالمية والإقليمية الرئيسية، وفي المقام الأول فيما يتعلق بسوريا وليبيا واليمن والوضع في الخليج".

وقد جذبت زيارة "بوتين" السابقة إلى الرياض المزيد من الاهتمام. فبعد كل شيء، تجذب السعودية في كثير من الأحيان الضوء بشكل أكبر كممثل إقليمي، ويرجع ذلك إلى حد كبير إلى سياساتها الداخلية والخارجية المثيرة للجدل عادةً. ومع ذلك، فإن علاقات موسكو بأبوظبي، التي تبنت سياسة خارجية أكثر توسعا، قد تكون أوثق.

أجندات متطابقة

وتعد روسيا والإمارات من أكثر الجهات الفاعلة الحكومية تأثيرا في المنطقة. واندفعت موسكو في عهد "بوتين" بشكل استباقي نحو تعزيز مكانتها كقوة عظمى، وبناء علاقات قوية مع مختلف الجهات الفاعلة الإقليمية، لضمان هيمنتها الجيوسياسية. وفي هذه الأثناء، عملت الإمارات، التي تعمل غالبا تحت غطاء دخان السياسة السعودية، على توسيع نفوذها الإقليمي تدريجيا. وهي تسعى الآن للاستفادة من مكانة موسكو المتنامية في المنطقة.

ويدعم كلا الفريقين الجهات الفاعلة الاستبدادية، المناهضة للديمقراطية، والمعادية للإسلاميين، تحت ستار الاستقرار و"مكافحة الإرهاب".

وتعد سوريا من بين القواسم المشتركة المتزايدة في سياسة البلدين الخارجية، كما أوضح "بوتين". وكانت روسيا قد تدخلت في سوريا منذ سبتمبر/أيلول 2015 لدعم حليفها "بشار الأسد" ضد فصائل المعارضة. وتمكنت موسكو، باستخدام قوتها الجوية الروسية التي استهدفت جميع قوى المعارضة، من تثبيت أركان حكومة "الأسد" في الحرب الأهلية في سوريا.

وسعت الإمارات بدورها مؤخرا إلى تعزيز العلاقات مع نظام "الأسد"، واستعادت سفارتها في دمشق في ديسمبر/كانون الأول 2018. وتعتبر أبوظبي "الأسد" حصنا مستقرا ضد الإسلام السياسي والديمقراطية، خاصة الآن بعد أن ساعدت روسيا في ترسيخ نظامه في سوريا.

وعلى الرغم من أن الإمارات لا تزال تعارض النفوذ الإيراني في سوريا، إلا أن الدفء الحديث في علاقاتها مع طهران، وهي حليف روسي مقرب، يشير إلى أن أبوظبي مستعدة لتقديم تنازلات براجماتية لزيادة نفوذها الإقليمي إلى أقصى حد.

وقد دعم كلاهما "خليفة حفتر" في ليبيا، وهو أمير الحرب الذي يتزعم "الجيش الوطني الليبي". وفي معارضة للتحول الديمقراطي السلمي في ليبيا، شن "حفتر" في أبريل/نيسان حملة عسكرية للاستيلاء على العاصمة طرابلس. وتتلقى قواته مساعدات عسكرية واقتصادية من كل من موسكو وأبوظبي، إلا أن روسيا حافظت على علاقاتها مع حكومة الوفاق الوطني المعترف بها من قبل الأمم المتحدة، بينما تعارضها الإمارات بقوة.

ولكن بسبب تعاون روسيا والإمارات في دعم "حفتر"، يمكن لهذا التعاون أن يعزز نفوذ الجنرال الييبي في سياسة البلاد، حتى في خضم حملته المتعثرة إلى حد ما في طرابلس.

وفي أعقاب ثورة السودان هذا العام، منعت روسيا في 4 يوليو/تموز مشروع قرار للأمم المتحدة يدين المذبحة التي ارتكبها المجلس العسكري الانتقالي بحق المتظاهرين، وقد رحبت الإمارات بالخطوة الروسية بسبب دعمها الكبير للمجلس.

وتسعى موسكو للحفاظ على الوضع الراهن، لتأمين موقعها في أفريقيا والاستفادة من الموارد الطبيعية للسودان. ويخدم هذا أيضا أهداف الإمارات المضادة للثورات. وعلى الرغم من أن المجلس الوطني الانتقالي توصل إلى اتفاق لتقاسم السلطة مع الفصائل المدنية، إلا أنه قد يحصل على دعم مستقبلي من هذين اللاعبين، مما قد يؤثر على آمال السودان الثورية.

تراجع أمريكي

وتعكس مغازلة أبوظبي لروسيا تحولها بعيدا عن الاعتماد على الولايات المتحدة، بما يتناسب مع تراجع نفوذ واشنطن الإقليمي. وغالبا ما كانت إدارة "دونالد ترامب" لا يمكن التنبؤ بها بشأن الشرق الأوسط وتفتقر إلى الإجماع.

علاوة على ذلك، فقد زادت العقوبات التي فرضها "ترامب" على إيران وانسحابه من الاتفاق النووي لعام 2015، من التوترات الإقليمية. ويعرض هذا أمن أبوظبي للخطر، بسبب قربها الجغرافي على طول الخليج العربي من إيران. ويفسر هذا النمط علاقات الإمارات المتنامية مع طهران.

ولا تزال الإمارات تسعى إلى الحفاظ على العلاقات مع واشنطن التي لا تزال تحتفظ بوجود كبير في الشرق الأوسط. وتملك شخصيات مرتبطة بالإمارات، مثل سفير الإمارات لدى الولايات المتحدة "يوسف العتيبي"، ورجل الأعمال اللبناني الأمريكي "جورج نادر"، علاقات مباشرة مع "جاريد كوشنر"، صهر "ترامب" وكبير مستشاريه. لذلك تؤثر الروايات الإماراتية حول الشؤون الإقليمية بشكل مباشر على مواقف "ترامب" في المنطقة.

ومن الواضح أن أبوظبي تحتفظ بعلاقات وثيقة مع واشنطن، بينما تتحوط لرهاناتها عبر فتح الأبواب مع موسكو.

ويعد التحالف الأقوى مع أبوظبي فرصة جذابة للكرملين أيضا، حيث تقدم الإمارات نفسها كقوة للاستقرار الإقليمي ومعقل للعلمانية، وهي أمور جذابة لطموحات موسكو.

ويمكن لروسيا أن تستفيد من مكانة أبوظبي كقوة اقتصادية. ولتحقيق الاستقرار لنظام "الأسد"، تفتقر روسيا إلى القدرات الاقتصادية لإعادة إعمار البلاد. لكن أبوظبي تمتلك هذه المزايا المالية، وقد تميل إلى أن تكون أكثر نشاطا في إعادة إعمار سوريا. بمعنى آخر، يوفر دعم دولة عربية غنية مثل الإمارات لـ "الأسد" قدرة أكبر لموسكو على إضفاء الشرعية على النظام في سوريا.

ويوجد مجال آخر محتمل للتعاون في المستقبل، وهو اليمن. وقد أصبح دور أبوظبي هناك أكثر وضوحا بعد دعمها لانقلاب "عدن" الذي قاده المجلس الانفصالي الجنوبي في 10 أغسطس/آب، وقيامها بشن غارات جوية على قوات الحكومة اليمنية في وقتٍ لاحق من ذلك الشهر لتعزيز السيطرة الانفصالية. ودعمت أبوظبي المجلس الانتقالي الجنوبي وساعدت في تعزيز سيطرته على المواقع اللوجستية الجنوبية الرئيسية، بما في ذلك ميناء عدن.

ووسط تكهنات بأن موسكو قد تدعم رؤية دولة مستقلة في جنوب اليمن مجددا، حيث كان الجنوب اليمني متحالفا مع الاتحاد السوفيتي حتى توحيده مع الشمال في عام 1990، تفيد التقارير بأن شركات عسكرية روسية خاصة تعمل في جنوب اليمن. وإذا كانت روسيا تدعم رغبات المجلس الانتقالي الجنوبي، المدعوم من الإمارات، فربما تتاح الفرصة لموسكو لإعادة إنشاء قاعدة عسكرية على طول البحر الأحمر.

ومع عدم وجود دعم دولي للتغيير التدريجي في المنطقة، فقد يحقق الزعماء الاستبداديين المناهضين للديمقراطية المزيد من النجاح. ونظرا لأن أبوظبي نجحت في كسب المزيد من الود مع القوى العظمى مثل روسيا، فإنها ترى أن بإمكانها أن تمارس سياسة خارجية أكثر "إمبريالية" كما تفعل في اليمن.

ولدى كل من روسيا والإمارات مصالحه الخاصة، حيث يسعى كل منهما للاستفادة من حملاته الإقليمية الاستباقية. ومع ذلك، يتجاوز تحالفهما الأساسي بشكل كبير أي اختلافات قد تكون موجودة بينهما، وقد يمكنهما ذلك من تشكيل واحدة من أهم الشراكات الإقليمية حتى الآن في الشرق الأوسط.

المصدر | جوناثان هارفي - إنسايد أرابيا