الاثنين 18 نوفمبر 2019 07:40 ص

من العراق وعنه

حُمقٌ أن يختزل بلد بهذا التنوع وثراء التعدد في طائفة أو مذهب أو ملة.

«ستعرفون نجومنا بسهولة/ شباب عيونهم من تمر/ وشعرهم من نهر/ قلوبهم جمرات/ حناجرهم مبحوحة وأصواتهم فيها حرقة...».

الكلدانيون عرب أقحاح حتى لو ضاق العراق بهم ووجد كثيرون منهم أنفسهم مكرهين على الهجرة منه.

هذا هو الفرق بين من يحمل الوطن في قلبه أينما حلّ ومن يعش على جثث الطائفية عابثاً بالقيم والأوطان.

«وستعرفون نجومنا بسهولة/ شباب عيونهم من تمر/ وشعرهم من نهر/ قلوبهم جمرات/ حناجرهم مبحوحة وأصواتهم فيها حرقة...».

*     *     *

تصلني من الأصدقاء العراقيين، سواء كانوا داخل العراق أو خارجه، أخباراً وصوراً و«فيديوهات» تتصل ببلدهم. هؤلاء الأصدقاء والصديقات يتحدّرون من طوائف وأديان وأعراق مختلفة يضمّها العراق المتنوع، المتعدد، ولكن عليهم تنطبق صفة عابري الطوائف القائلين للجميع: إنّ العراق يجمعنا، إنه وطننا بصرف النظر عن أي ديانة اعتنقنا أو من أي قومية أتينا.

وصلني فيديو عن حفل للكنيسة الكلدانية العراقية في السويد، حيث تقيم جالية عراقية كبيرة تضمّ فيما تضمّ الكلدانيين الذين يشكلون النسبة الأكبر من مسيحيي العراق. كل من هم في الكنيسة رفعوا الأعلام العراقية وراحو ينشدون أناشيد تضج بالحنين إلى العراق وبالفخر به بوصفه وطن المحتفلين الذين وجدوا أنفسهم خارجه مكرهين.

الأديب والمترجم السوري القدير الدكتور نوفل نوّاف المقيم حالياً في كندا، علّق بقولٍ يوجز، بأبلغ وأعمق ما يكون، الفكرة الأساس. قال الصديق نوفل: «لم يبقَ لهم كنائس في أرضهم. هذا هو الفرق بين من يحمل الوطن في قلبه أينما حلّ، ومن يعش على جثث الطائفية عابثاً بالقيم والأوطان».

هذا الفيديو أثار في نفسي فضولاً لتقصي المتاح من المعلومات عن الكلدانيين في العراق، وعن المسيحيين فيه عامة، فقرأت روايات متضاربة، ينحو بعض من كتبها من الأجيال الجديدة من المهاجرين إلى القول بأنهم ليسوا عربا.

لكن أديبة عراقية مرموقة تنتمي إلى الطائفة نفسها لفتت نظري إلى أن ثمة دراسات يعتد بصدقيتها تشرح كيف أن هؤلاء الكلدانيين عرب أقحاح، حتى لو ضاق العراق بهم، ووجد الكثيرون منهم أنفسهم مكرهين على الهجرة عنه.

الأستاذة روناك صبري، وهي كردية عراقية، أرسلت فيديو مبهجاً عن حفل بالمولد النبوي الشريف جرى تحت قلعة أربيل في كردستان العراق، استمعت فيه لأناشيد وأدعية بالعربية والكردية.

ها نحن هنا أمام مفردة أخرى من مفردات الهوية العراقية، وهي الإسلام، فالكرد مسلمون يعتزون بانتمائهم الديني بمقدار ما يعتزون بهويتهم القومية الكردية.

ولأننا تحدثنا عن كرد العراق، فإني أختم بأبيات للشاعرة العذبة كولالة نوري، الكردية العراقية التي تكتب الشعر بالعربية، والأبيات مأخوذة من قصيدة رائعة كتبتها الشاعرة قبل أيام قليلة من وحي مشاهد البطش الدموي التي تمارسها ميليشيات القتل ضد الشبان المحتجين:

«وستعرفون نجومنا بسهولة/ شباب عيونهم من تمر/ وشعرهم من نهر/ قلوبهم جمرات/ حناجرهم مبحوحة وأصواتهم فيها حرقة/ ستعرفونهم بسهولة من رائحة القنابل على أجسادهم».

حُمقٌ أن يختزل بلد بهذا التنوع وثراء التعدد في طائفة أو مذهب أو ملة.

* د. حسن مدن كاتب صحفي من البحرين

المصدر | الخليج - الشارقة