الخميس 21 نوفمبر 2019 07:52 م

على الرغم من الاحتجاجات المستمرة في بغداد، التي تسببت في رحيل العديد من الدبلوماسيين الأجانب لدواع أمنية، ضاعفت روسيا من نشاطها في البلاد. ولم تظل سفارتها مفتوحة خلال الأسابيع الأخيرة من الاضطرابات فقط، بل قام وزير خارجيتها، "سيرجي لافروف"، بزيارة للبلاد الشهر الماضي، حيث قام أولا بجولة في بغداد ثم في أربيل.

ولا تبدو جولة "ظريف" كأنها مهمة دبلوماسية اعتيادية. ولم تكن هناك اتفاقات رسمية موقعة، وبدت سوريا والإرهاب وكأنها فكرة هامشية خلالها، وكان الدبلوماسيون أقلية خلال أحداث الزيارة.

وفي الواقع، كان غالبية المشاركين من رجال الأعمال، بمن في ذلك ممثلين عن شركات النفط والغاز الروسية، مثل "غازبروم نفت"، و"روسنفت" و"لوك أويل". كما حضر الحدث ممثلو شركة "تكنوبروم إكسبورت"، وهي شركة روسية تقوم ببناء منشآت للطاقة، وهي جزء من الجهاز الفيدرالي الروسي للتعاون التقني العسكري. وأخبرنا مصدر تربطه علاقة برئيس الوزراء العراقي طلب عدم الكشف عن هويته: "لقد تم مناقشة العلاقات التجارية الثنائية فقط في الاجتماعات. وأراد الروس التأكد من أن كل شيء يسير بسلاسة فيما يتعلق بمشاريع شركات الطاقة الروسية في العراق". ووافق على ذلك مصدر آخر له صلات بحكومة إقليم كردستان، ويعيش في أربيل.

ولا ينبغي أن يكون مفاجئا أنه بعد استثمار أكثر من 10 مليارات دولار في قطاع الطاقة العراقي على مدى الأعوام الـ 9 الماضية، فإن اهتمام روسيا بالبلاد يتركز في الغالب على المخاوف التجارية.

الاختراق الروسي

وتعد الشركات الروسية ممثلة بالفعل بشكل جيد بين شركات النفط في العراق. ونظرا لطبيعة عقود النفط والغاز على طويلة المدى، فإن حصة موسكو في السوق العراقي ستزداد مع مرور الوقت. على سبيل المثال، في عام 2009، فازت شركة "لوك أويل" الروسية بأحد عقود النفط الأولى في عراق ما بعد الحرب، وهو عقد مشروع تطوير "غرب القرنة -2" في البصرة.

ومن المقرر أن يستمر المشروع لمدة 25 عاما، بهدف تحقيق إنتاج ما يصل إلى 800 ألف برميل يوميا بحلول نهاية عام 2024. واليوم، ينتج هذا الحقل فقط بمعدل يقترب من 400 ألف برميل يوميا، لكنه يمثل بالفعل 9% من إجمالي إنتاج العراق من النفط الخام، و12% من صادرات النفط العراقية.

وتشمل الصفقات الأخرى منذ عام 2011 استثمارات بقيمة 2.5 مليار دولار من قبل شركة "غازبروم" وشركائها في وسط العراق وإقليم كردستان. وأنتجت شركة "غازبروم" 3 ملايين برميل من حقل "سرقلة" في "غارميان"، على سبيل المثال، وأطلقت العديد من مشاريع التنقيب في حقول "حلبجة" و"شقال". وفي سبتمبر/أيلول الماضي، فازت شركة "سترويتر انسغاز" الروسية بعقد مدته 34 عاما للتنقيب عن النفط والغاز في محافظة الأنبار العراقية، وهو اتفاق شكر "لافروف" العراق عليه بشكل خاص خلال زيارته، وفقا لمصدر في مكتب رئيس الوزراء العراقي.

ولا تهتم روسيا فقط بحقول النفط نفسها. حيث تملك "روسنفت" 60% من خط أنابيب نفط كردستان، وهو خط التصدير التشغيلي الرئيسي في العراق. وفي ربيع عام 2018، أعلنت "روسنفت" أيضا عن توقيع اتفاقية مع وزارة الموارد الطبيعية في حكومة إقليم كردستان لتطوير بنيتها التحتية للنفط والغاز، بما في ذلك خط أنابيب جديد للغاز من المتوقع أن تصل طاقته التصديرية إلى 30 مليار متر مكعب من الغاز سنويا.

ويصل هذا إلى نحو 6% من إجمالي الطلب على الغاز في أوروبا. ووفقا لسياسي عراقي، تحدث إلينا بشرط عدم الكشف عن هويته في نوفمبر/تشرين الثاني: "بموجب هذه الصفقة، حصلت روسيا على الكثير من القوة السياسية في العراق. ويمثل النفط نحو 96% من صادرات العراق، لكن دون وجود خط أنابيب لتصديره، فإن النفط ليس له أي قيمة بالنسبة للبلاد. وتسيطر روسيا الآن بشكل أساسي على هذه الأنابيب.

هيمنة جديدة

ولم تكن روسيا دائما مهيمنة في قطاع النفط والغاز العراقي. وبعد سقوط نظام "صدام حسين" عام 2003 واحتلال العراق، كانت الشركات الروسية غائبة إلى حد كبير عن الملعب. وقد تغير كل ذلك مع زيادة الصراع الطائفي في عام 2009. وفي ذلك الوقت تقريبا، غادرت العديد من شركات النفط الغربية، مثل "إكسون موبيل" و"شيفرون"، المنطقة جزئيا أو كليا بسبب المخاوف الأمنية. وقد أخذت الشركات الروسية، المتعطشة للمخاطر، مكانها.

وتم الترحيب بدخول روسيا في العراق. وكما أخبرنا أحد قادة حكومة إقليم كردستان هذا الشهر: "قبل وقت طويل من الأزمة السياسية والأمنية الأخيرة، في أوائل عام 2012، دخل الروس كردستان العراق كمستثمر دولي قوي. وفي ذلك الوقت، لم تكن هناك حاجة للروس، لأن الأمريكيين كان لهم وجود قوي ودعم في المنطقة. وفي وقت لاحق، عندما شعر القادة الأكراد بخيبة أمل من الأمريكيين، بدا الروس أقوى وأكثر ودية. وكان الاعتقاد السائد في كردستان أن إبرام صفقة تجارية معهم سيؤدي أيضا إلى فوائد أخرى سياسية وأمنية".

ولا يبدو أن العقوبات حتى تزعج الروس أو شركاءهم العراقيين. فبعض الشركات التي تقوم بتطوير النفط العراقي، بما في ذلك "غازبروم" و"روسنفت"، مدرجة في قوائم العقوبات الأمريكية بسبب ارتباطها بضم "القرم" ومشاركة روسيا في النزاع في شرق أوكرانيا. لكن المسؤولين العراقيين ليسوا قلقين بشكل خاص. ويقول أحد المسؤولين العراقيين: "منذ فترة طويلة والعراق يعمل مع شركات روسية تخضع للعقوبات من قبل وزارة الخزانة الأمريكية. وحتى الآن لم تؤد هذه الصفقات إلى أي ردود فعل قوية من قبل الإدارة الأمريكية. لذلك نحن لا نعتبرها مشكلة".

وقد يرغب الرئيس الأمريكي "دونالد ترامب" في الادعاء بأن الولايات المتحدة لا تزال لديها اليد العليا في قطاع النفط في المنطقة. وفي تغريدة حديثة حول سوريا على سبيل المثال كتب "ترامب": "كانت حقول النفط التي نوقشت في خطابي حول تركيا والأكراد أمس تحت سيطرة تنظيم الدولة حتى استولت عليها الولايات المتحدة بمساعدة الأكراد، ولن نسمح أبدا لهم بالحصول على هذه الحقول من جديد".

وفي اجتماع مع الرئيس التركي "رجب طيب أردوغان"، أعرب الرئيس عن أسفه لأن الولايات المتحدة لم تسيطر على احتياطيات العراق بعد الحرب. وقد يكون صحيحا أن حقول المنطقة لن تخضع أبدا لسيطرة "الدولة الإسلامية"، لكن من غير المحتمل أن تلعب الولايات المتحدة الدور الأكبر أيضا. وبدلا من ذلك، ستكون روسيا هي المسؤولة على الأرض. وقريبا، حتى الدولار قد لا يكون له مكان في تلك التجارة؛ فلقد ناقش العراق وروسيا أن تكون المدفوعات إما بالروبل أو الدينار العراقي بدلا من الدولار لتجنب أي تفاعل مع النظام الأمريكي.

ولا يعد النفوذ الروسي على النفط في العراق وسوريا فقط ضربة اقتصادية طويلة الأجل للولايات المتحدة، بل ضربة سياسية أيضا. فلا يزال النفط هو العملة الرئيسية في هذين البلدين، لذلك فإن من يسيطر عليه يكن له دور رئيسي في جيوسياسية المنطقة.

المصدر | فيرا ميرونوفا ومحمد حسين - فورين بوليسي