الخميس 28 نوفمبر 2019 05:32 ص

لم يكن انخراط الملايين من شباب وكهول ونساء شعب اليمن في قائمة ثورات وحراكات الربيع العربي سنة 2011، مفاجئا لمن يعرفون قدرة شعب هذا القطر العربي على القيام بتغييرات مجتمعية كبرى.

فانتفاضته ضد نظام حكم الإمامة المتخلف المستبد في منتصف القرن الماضي، ونجاحه النضالي في توحيد شطري الشمال والجنوب من بلاده، ثم انخراطه في حراكات الربيع العربي بسرعة وتميز سلمي، وخروجه على كل خلافات الماضي وعبثياته… كلها شواهد على حيوية نضالية متميزة.

وكان من الممكن أن ينجح شعب اليمن الشقيق في انتفاضته الأخيرة، وينتقل من حكم ديكتاتوري قبلي إلى نظام ديمقراطي يصهر في مواطنيته الجامعة كل تعدديات تكويناته القبلية وولاءاته الأيديولوجية، لولا نجاح البلادات في إدخاله في أتون وحرائق ثلاثة انعطافات انتهازية تآمرية، ليصل إلى الجحيم المأساوي التدميري اللاإنساني الذي يعيشه الآن.

المنعطف الأول تمثل في إيقاظ حلم أقلية مذهبية بضرورة الرجوع إلى نظام الحكم الإمامي السابق، المستند إلى إدعاءات تاريخية تخطاها الزمن، وإلى أساطير فقهية تتناقض كليا مع كل مقومات الدولة الحديثة. وهو حلم يحصر رئاسة الحكم وخلفاءها في أفراد تلك الأقلية المذهبية، وبالتالي يرفض الأسس التي تقوم عليها الديمقراطية.

وبهذا الطلب أراد هؤلاء محو آخر ستين سنة من الحياة السياسية اليمنية الحديثة وإرجاع عقارب الساعة التاريخية إلى الوراء. وبه أيضا أرادوا تهميش الأكثرية الساحقة من القوى السياسية اليمنية، ومن المواطنين اليمنيين، ونسفا لدستور اليمن الجديد المقترح، وانتكاسة للتوافق الوطني المتوازن، الذي ارتضته جميع القوى، من دون استثناء، بمن فيهم ممثلو تلك الأقلية المذهبية، أثناء مناقشات المؤتمر الشعبي الوطني الجامع، الذي كان في طريقه لطرح دستور جديد، واقتراح خطوات تنقل اليمن إلى مشارف نظام ديمقراطي فيدرالي متوازن.

أما المنعطف الثاني فهو محاولة الاستعمال الانتهازي لأجواء المنعطف الأول ومطالبه المذهبية التعجيزية، من قبل الحاكم الديكتاتوري السابق، الذي أجبره الحراك الشعبي الكبير على التنحي عن الحكم، ولكن من دون مس بثروته المالية الهائلة ونفوذه القبلي الكبير.

تمثلت تلك الانتهازية المجنونة في تسهيل استيلاء ميليشيا تلك الأقلية المذهبية على أسلحة الجيش اليمني الوطني، وعلى مجموعة من معسكراته، في سبيل حصوله في المستقبل على دعم سياسي وأمني من قبل تلك الأقلية، ورجوعه إلى الحكم الذي فقده.

لكن السحر انقلب على الساحر وانتهى بموته مقتولا بدم بارد من قبل من ظن أن باستطاعته استعمالهم لتحقيق طموحاته الشخصية المجنونة.

المنعطف الثالث تمثل في تدخلات خارجيه، إقليمية وعربية ودولية، لصالح هذه الجماعة أو تلك السلطة، الأمر الذي خلط الأوراق، ونقل الموضوع اليمني من المستوى المحلي الوطني إلى المستوى الإقليمي والدولي. وهو المنعطف الذي قاد إلى فواجع التشريد والموت والدمار والجوع والمرض والفقر المدقع الذي نراه أمامنا.

ليس الهدف هو سرد تاريخ المشهد اليمني المأساوي، خلال أقل من عقد من الزمن، فالبكاء على اللبن المسكوب لن يفيد. الهدف هو إظهار مقدار تعقيدات المشهد اليمني وفداحة المصير المأساوي الذي وصل إليه شعب اليمن العربي الشقيق، بفعل عوامل كانت خارج إرادته وما طرحته ملايينه في سنة 2011 من شعارات وأهداف الحرية والكرامة الإنسانية والعدالة الاجتماعية.

اليوم وصلت نسبة الفقر المدقع إلى ثمانين في المئة، والبطالة إلى أكثر من خمسين في المئة. اليوم يوجد بلد عربي شقيق عزيز يعيش بأقل القليل من خدمات الصحة والتعليم والكهرباء والماء والطرق والمسكن، ومن نشاطات الاقتصاد التي تسد الرمق.

في ظل دمار كهذا يجري الحديث عن التوقف عن الحل العسكري، والانتقال إلى الحل السياسي الذي يراد له أن يعيد السلام إلى تلك الأرض العربية المنكوبة. هذا استنتاج معقول ومطلوب، لكن، وهذا بيت القصيد، السلام وحده لن يكون كافيا ما لم تصاحبه جرعة كبيرة من الأمل.

السلام في ظل ذلك الدمار البشري والعمراني سيكون قابلا للانتكاس في أي لحظة. مفتاح جرعة الأمل لن يكون في يد إيران أو أمريكا أو دول أوروبا المتباكية، بل في يد مجلس التعاون الخليجي.

والأمر يجب أن لا يقتصر على إعادة إعمار ما دمرته الحرب، ثم ترك اليمن يعود إلى العيش تحت ظل فقره السابق ومحدودات قدراته التنموية والمعيشية والخدماتية الأساسية.

نحن هنا نأمل بأن قادة دول مجلس التعاون قد تعلموا من دروس ما حدث ويبدأون في التفكير الجدي بإدخال اليمن في مجلس التعاون، وهو المطلب الذي نادى به الكثيرون طيلة عمر المجلس.

ولن يكون هذا الإدخال منة، فاليمن لديه إمكانيات هائلة للتنمية لو توفرت الاستثمارات، ولديه شعب ذكي نشيط منتج لو توفرت فرص العمل. وبالتالي فانه سيكون إضافة للمجلس، وليس عبئا عليه.

عنذ ذاك، وعند ذاك فقط، سنكون قد ربطنا مشروع السلام المطروح ببناء الأمل، من أجل أن يكون سلاما دائما، وليس مؤقتا. وسنكون قد استجبنا لالتزامات الأخوة العروبية والإسلامية، وأبعدنا اليمن الشقيق عن أن يكون ورقة في يد قوى إقليمية مجنونة، أو في يد قوى صهيونية استعمارية متآمرة حاقدة.

- د. علي محمد فخرو مفكر وكاتب بحريني.

المصدر | الشروق المصرية