الخميس 28 نوفمبر 2019 07:25 م

لماذا تقدم ألمانيا دعما سخيا للرئيس المصري "عبدالفتاح السيسي"، رغم ديكتاتورية نظامه، في مقابل آخر محدود ومشروط للرئيس التونسي "قيس سعيد"، رغم كون بلاده الاستثناء العربي فيما يتعلق بالحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان؟

سؤال طرحته الحفاوة التي اُستقبل بها "السيسي" خلال مؤتمر قمة العشرين وأفريقيا، الذي عقد الأسبوع الماضي في برلين، والتي كشفت عن وجه غير مألوف في سياسة المستشارة الألمانية "أنجيلا ميركل"، شبيه بذلك الذي يسلكه الرئيس الأمريكي "دونالد ترامب".

فألمانيا تبذل جهودا دبلوماسية واقتصادية كبيرة بعد الثورة التونسية لمساعدة تونس على تجاوز صعوبات المرحلة الانتقالية، بيد أن رسالة التهنئة التي وجهتها "ميركل" إلى "سعيّد" بمناسبة انتخابه، حملت معها إشارات على أن الدعم الألماني لتونس في المرحلة المقبلة سيكون "مشروطا" بالتقدم في الإصلاحات الاقتصادية والمجتمعية.

وبعد أن كان حضور الرئيس التونسي السابق "قايد السبسي" في صدارة الدول النامية بمؤتمر قمة العشرين وأفريقيا، تراجع حضور تونس في القمة الأخيرة إلى مستوى كاتب دولة (وكيل وزارة) في الشؤون الخارجية، في انتظار أن يسجل "قيس سعيّد" حضوره على الساحة الخارجية واتّضاح ملامح سياسته، وعما إذا كانت بعض توجهاتها ستكون مطابقة فعلا لما أعلنه في حملته الانتخابية، سواء ما يتعلق بالعلاقات مع فرنسا أو الموقف من الملف الإسرائيلي الحسّاس جدا في المنظور الألماني.

وفي المقابل، فُرش السجاد الأحمر أمام الرئيس المصري "السيسي" ليكون نجم مؤتمر برلين، وحرصت "ميركل" على الحفاوة به، وتهنئته بعيد ميلاده الـ 65، رغم ارتفاع أصوات المنتقدين في العاصمة الألمانية من منظمات حقوق الإنسان وأحزاب معارضة، لأوضاع حقوق الانسان في مصر.

  • المكانة الجيوستراتيجة

ويعود ذلك إلى رؤية صناع القرار الألماني والأوروبي، التي لا تنفصل النظرة فيها إلى دور "السيسي" عن المكانة الجيواستراتيجية للبلد الذي يحكمه، وتأثيرات استقراره على باقي دول المنطقة، ناهيك عن الأدوار التي تلعبها مصر في الصراع الفلسطيني الإسرائيلي.

فمصر سوق قوامها يقترب من مائة مليون نسمة، ويشكل التعاون الاقتصادي معها وسيلة أساسية للمساهمة في الاستقرار وفي تحقيق مكاسب للشركات الألمانية.

وفي هذا الإطار، أبرمت عملاق الصناعات التكنولوجية الألماني (سيمنس/ Siemens) أكبر صفقة في تاريخها مع مصر سنة 2015، عبر عقد استثمار في مجال الطاقات المتجددة بقيمة 8 مليارات يورو.

وتأتي مصر في صدارة دول العالم المستوردة للأسلحة الألمانية، بعد المجر والسعودية، بقيمة تتجاوز 800 مليون يورو خلال الفترة المنصرمة من السنة الحالية 2019.

بينما يبدو سقف برامج التنمية والتعاون الاقتصادي الألماني مع تونس محدودا ومحاصرا بمشاكل بيروقراطية أو خلافات حول ملف الهجرة.

  • الملف الليبي

وتنتظر برلين وحلفاؤها في الاتحاد الأوروبي من "السيسي"، كرئيس للاتحاد الأفريقي، أدوارا كبيرة في ملف ليبيا، الذي يشكل الحقل الأكثر إثارة في ظهور معالم سياسة "الأمر الواقع" التي تنتهجها برلين ومعها معظم العواصم الغربية. 

وفي ظل الاستعدادات الصعبة للمؤتمر الدولي حول ليبيا، يبدو الرهان الألماني على دور "السيسي" واضحا، ليس فقط فيما صدر من تصريحات لـ "ميركل" حول أهمية الدور المصري في حل الأزمة الليبية، بل أيضا من خلال كواليس التحضيرات للمؤتمر.

وفي هذا الإطار تفيد مصادر متطابقة بأن أغلب الدول المشاركة في المؤتمر ستكون من تلك المساهمة عسكريا في دعم الجنرال الليبي المتقاعد "خليفة حفتر"، مقابل غياب دور دول الجوار، ومنها تونس، التي تدعم حلا سياسيا للأزمة وتعترض على تسوية تُغلب فيها قوات "حفتر" على الحكومة الشرعية في طرابلس.

ومن هنا تبدو مهمة "السيسي" محورية في المبادرة الألمانية لحل الأزمة الليبية، لكن من غير الواضح إن كان المطلوب من الرئيس المصري وقف هجوم قوات حفتر وحقن الدماء التي يمكن أن يتسبب بها إتمام الهجوم على طرابلس، أم أن تصدره للمشهد في الأزمة الليبية يعني منح قوات "حفتر" مزيدا من الوقت لإتمام الهجوم الذي تشكل مصر والإمارات القاعدة الخلفية لدعمه عسكريا ولوجستيا.

وكيفما كانت سيناريوهات إنهاء هجوم قوات "حفتر"، فإن الثمن السياسي الذي يمكن أن يتحقق في ظل تكريس دور محوري لـ "السيسي" في تسوية الأزمة الليبية، يكمن برأي المراقبين، في أن إنجاز تسوية ما ستكون على حساب الحكومة الشرعية المعترف بها دوليا، والتي تعيب عليها الحكومات الغربية تهاونها في إنهاء دور الميليشيات والجماعات الإسلامية المسلحة.

  • الخطر الإسلامي

أما ثالث أسباب الدعم الألماني السخي لـ "السيسي"، فيتمثل في تمكينه، باعتباره أحد أهم أقطاب "الثورة المضادة" للربيع العربي، من توسيع نهجه بالمنطقة، عبر سياسة القبضة الأمنية لوقف "الخطر الإسلامي" الذي تحمله صناديق الاقتراع.

ويبدو ذلك مؤشرا حاسما على تحول دراماتيكي في سياسات العواصم الغربية، تحت وطأة التداعيات الكارثية التي خلفتها موجة الربيع العربي الأولى على أوروبا بالخصوص، وحالة القلق الأوروبي من توسع الدور الروسي بدءا من سوريا إلى ليبيا وصولا إلى العمق الأفريقي.

ويدعم هذا الاتجاه مؤشرات بالتصريحات الأخيرة لوزيرة الدفاع الألمانية "أنغريت كرامب-كارينباور"، خليفة "ميركل" على رأس الحزب المسيحي الديمقراطي، ومواطنتها "أورسولا فون دير لاين"، الرئيسة الجديدة للمفوضية الأوروبية.

المصدر | الخليج الجديد + DW