الجمعة 29 نوفمبر 2019 04:49 ص

الفساد ومعركة السرية المصرفية

الشارع يضغط لرفع السرية عن أرصدة النخب السياسية وحسابات زوجاتهم وأسرهم وأقاربهم المصرفية.

هناك أنظمة مصرفية عربية ودولية لا تسأل المودع عن مصدر أمواله وهو ما يتيح لأصحاب الجرائم المالية الإفلات من العقوبة.

تحت بند السرية تُرتكَب عشرات الجرائم المالية ومنها تبييض وغسيل أموال ورشى واتجار بمخدرات وآثار وأسلحة ورقيق أبيض وتهرب ضريبي وجمركي وفساد.

*     *     *

استطاعت العديد من دول العالم جذب أموال واستثمارات ضخمة تقدَّر بمليارات الدولارات عبر توفير قطاعها المصرفي مبدأ السرية المصرفية التي تتيح سرية كاملة لبيانات أصحاب المدخرات والودائع من حيث الاسم وقيمة المبالغ المودعة والدولة التي حُوِّلَت الأموال منها ومصدر الأموال.

وكان النموذج السويسري أبرز مثال على ذلك، حيث نجحت البنوك السويسرية، منذ عام 1934، في أن تكون مخزناً لثروات العالم، بما فيها الأموال الهاربة والمنهوبة من قبل رؤساء الدول والحكومات وكبار المسؤولين في روسيا والصين ودول العالم النامي وأفريقيا وجنوب شرق أسيا وأميركا اللاتينية وغيرها.

وعقب قيام ثورات الربيع العربي في نهاية العام 2010، اعترفت هذه البنوك بوجود ودائع ضخمة لديها لرموز الأنظمة التي أطاحتها ثورات شعبية، مثل حسني مبارك ونجليه ورجال أعماله، وزين العابدين بن علي، وعلي عبد الله صالح.

صحيح أن البنوك السويسرية خففت بعد ذلك بعض قيود السرية المصرفية، بهدف تنظيف سمعتها عقب تعرضها لانتقادات شديدة واتهامات متلاحقة بأنها تؤوي الأموال المنهوبة، إلا أنها لا تزال توفر لأصحاب الثروات ملاذاً آمناً وسرية كبيرة.

وسارت الدول العربية على هذا النهج. مثلاً، اعتمد لبنان السرية المصرفية منذ عام 1956، وكان لذلك أثر كبير في جذب رؤوس الأموال والودائع، وخاصة الخليجية، وتوفير الاستقرار المالي والاقتصادي.

بل إن دولاً عربية أصدرت قوانين تنص صراحة على إلزام البنوك بعدم إفشاء أسرار المودعين، بل وتعاقب العاملين في البنوك بالسجن والغرامة في حال الكشف عن بيانات المدخرين وإفشاء هذه السرية.

وفي عالم البنوك هناك معركة أزلية ومستمرة حول مبدأ السرية. فأحياناً، تحت هذا البند، تُرتكَب عشرات الجرائم المالية، ومنها تبييض وغسيل أموال تمويل الإرهاب والرشى والاتجار في المخدرات والأثار والأسلحة والرقيق الأبيض والتهرب الضريبي والجمركي والفساد.

وما زالت هناك أنظمة مصرفية عربية ودولية لا تسأل المودع عن مصدر أمواله، ولو كانت هناك شبهات تدور حولها، وهو ما يتيح لأصحاب الجرائم المالية الإفلات من العقوبة.

في المقابل، سعت بعض الأجهزة الرقابية إلى التدخل والاعتداء على هذه السرية المصرفية التي قد يستغلها مجرمون في إخفاء أموالهم غير المشروعة، وأحيانا يفتح بعض العاملين في البنوك خطوط اتصال مع ممثلي هذه الأجهزة لتزويدهم بكل المعلومات المتاحة عن المودعين في مخالفة صريحة لكل القوانين والأعراف المصرفية.

وحلا للمعضلة، سمحت بعض الدول لأجهزة محددة، منها النائب العام ومصلحة الضرائب والجهاز المركزي للمحاسبات، بالكشف عن سرية حسابات أصحاب المدخرات المتهربين من سداد مستحقات الدولة وفي مقدمتها الضرائب، أو الذين تحوم حولهم شبهات.

لكن المشكلة تكمن هنا في أن المتهربين قد يكونون أصحاب نفوذ سياسي، ولذا يضغطون بشدة على البنوك لعدم الكشف عن حساباتهم المصرفية، وهذه هي معضلة لبنان حالياً.

فالشارع يضغط بشدة لرفع السرية عن أرصدة النخب السياسية وحسابات زوجاتهم وأسرهم وأقاربهم المصرفية، ليعرف إن كان هؤلاء أغنياء بالفعل ويمتلكوا مليارات الدولارات كما يتردد واستفادوا من مناصبهم، أو يعانون مالياً واقتصادياً كما تعاني الأغلبية الساحقة من اللبنانيين.

* مصطفي عبد السلام كاتب ومحرر صحفي اقتصادي.

المصدر | العربي الجديد