الاثنين 2 ديسمبر 2019 02:23 م

قد يكون الاكتتاب العام لشركة "أرامكو" السعودية على وشك أن يصبح الأكبر في العالم، لكن الفشل الواضح للسعودية في جذب اهتمام كبير من المستثمرين الغربيين هو ما يلوح في الأفق في الوقت الحالي، ما يمثل ضربة محتملة لخطط ولي العهد "محمد بن سلمان" لإعادة تشكيل اقتصاد المملكة العربية السعودية.

وفي حين بدأت التداعيات الجيوسياسية لقضايا مثل مقتل "خاشقجي" وحرب اليمن في الخفوت، واجه السعوديون قدرا كبيرا من عدم الاهتمام الغربي بالاكتتاب العام في "أرامكو".

ويقول بعض المحللين إن هذه اللامبالاة قد تغير في نهاية المطاف لعبة النفوذ في المنطقة، وتبعد المملكة عن روابطها التقليدية مع الولايات المتحدة، وربما تدفعها بشكل أكبر تجاه الصين وروسيا.

وقال "نيل كويليام"، وهو زميل مشارك في برنامج الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في مركز "تشاتام هاوس" في لندن: "لا يعني هذا أن المملكة ستتحول بعيدا عن الغرب بين عشية وضحاها، لكن هذا سيحدث عبر عملية إعادة توجيه طويلة بطيئة".

ويمثل أحد السيناريوهات المتصورة في قيام المملكة بتعزيز العلاقات التجارية مع الصين وروسيا، مع الاستمرار في الاعتماد على الولايات المتحدة لضمان أمنها.

ضربة مالية

ولطالما كانت خصخصة "أرامكو"، "جوهرة تاج" الاقتصاد السعودي، محور برنامج "بن سلمان" لتحويل اقتصاد المملكة بعيدا عن الاعتماد المفرط على النفط، وفقا لـ"رؤية 2030"، التي تم الكشف عنها عام 2016، وهي خطة كبرى لتحديث الاقتصاد السعودي، وتقليل اعتماده على النفط، وفتح الطريق للاستثمار الأجنبي، وفي ذلك الوقت، كانت هناك تكهنات غذتها المملكة نفسها بأن تقييم "أرامكو" سيصل إلى 2 تريليون دولار.

وفي الأشهر الأخيرة، أصبح من الواضح أن هذا الرقم غير واقعي، لذا فقد تخلت الحكومة السعودية عن جهودها لتسويق أكبر منتج للنفط في العالم خارج منطقة الخليج، كما قررت خفض نسبة الطرح من 5% من أسهم "أرامكو" إلى 1.5% فقط، ويعد كلا الأمرين نكسة رمزية وحقيقية لخطط الإصلاح الاقتصادي للمملكة.

وقال "كويليام": "كانوا يأملون في جمع نحو 100 مليار دولار"، وهو رقم يكاد يكون من المؤكد أنه لن يحققه الآن، وأضاف: "كان فشل أرامكو في بلوغ قيمة 2 تريليون دولار ضربة لمكانة الشركة الدولية أكثر من كونه ضربة مالية"، وعلق قائلا: "كان ذلك أيضا نكسة لرؤية 2030".

ولا يعني هذا أن الإدراج لن ينجح محليا، وقالت شركة التحليل المالي "سامبا كابيتال"، الجمعة، إن المستثمرين السعوديين والمؤسسات الاستثمارية عرضوا أكثر من 44 مليار دولار مجتمعين، وحتى لو لم يتم قبول جميع العروض، وهو ما سيحدث، فسيظل ذلك كافيا لكسر الرقم القياسي للاكتتاب العام لشركة "علي بابا" في 2014، والذي بلغت قيمته آنذاك 25 مليار دولار.

وقد تم إغلاق التقديم الآن أمام الأفراد، ولكن الموعد النهائي لتقديم طلبات المؤسسات سوف ينتهي في 4 ديسمبر/كانون الأول.

الاكتتاب الدولي بعيد المنال

وبغض النظر عما يحدث، فسوف تكون النتائج أقل من التوقعات الكبيرة التي ظهرت في عام 2016، عندما أعلن "بن سلمان" لأول مرة عن حلمه ببيع جزء من "أرامكو" في السوق الدولية، لكن عوامل مثل احتمالية الكشف عن معلومات مفصلة حول أعمال الشركة، وخطر المزيد من التدقيق القانوني، قد تكون أثنت "أرامكو" عن السعي للحصول على فرصة للإدراج في بورصة نيويورك.

ويبدو أن فكرة الإدراج الدولي قد تم تعليقها، على الأقل حتى الآن، وسيتم طرح أسهم "أرامكو" بدلا من ذلك في بورصة "تداول" الصغيرة بالرياض، وكانت السلطات السعودية في وقت سابق من هذا الشهر قد أعلنت استهداف تقييم يتراوح ما بين 1.6 إلى 1.7 تريليون دولار للشركة.

وقال "أيهم كامل"، رئيس قسم الأبحاث في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في مجموعة أوراسيا لاستشارات المخاطر السياسية، إن نتائج الاكتتاب العام قد تبدو ناجحة على الورق، لكنها ستطرح أسئلة طويلة المدى حول الاستراتيجية الاقتصادية للمملكة.

وقال لـ"فورتشن": "أعتقد أنه إذا كان ولي العهد يريد المضي قدما في خطته للتحديث، فمن المهم المضي قدما في الشق الدولي من الاكتتاب العام، أو على الأقل بيع حصة أكبر من أرامكو للأفراد".

ويعتقد المحللون السياسيون أن الاستقبال الفاتر للاكتتاب العام في الغرب يفسره جزئيا الضرر الذي لحق بسمعة المملكة بعد اغتيال الصحفي "جمال خاشقجي" في القنصلية السعودية في إسطنبول العام الماضي، والمشاركة السعودية في الحرب في اليمن، واعتقال ناشطات حقوق المرأة السعودية العام الماضي.

وعانى الاكتتاب من عدد من الأحداث الأخرى التي يعتقد "كويليام" أنها أضرت بسمعة المملكة على الصعيد الدولي، بما في ذلك احتجاز العشرات من الأمراء وكبار رجال الأعمال في فندق "ريتز كارلتون" في الرياض عام 2017 في حملة مزعومة ضد الفساد.

سعر مرتفع

وتأثر بعض المستثمرين الدوليين أيضا بالتقييم العالي الذي وضعته المملكة لـ"أرامكو"، وهناك أيضا الانتقادات المتزايدة للتوسع في استخدام الوقود الأحفوري الذي يساهم في ظاهرة الاحتباس الحراري، ناهيك عن التوترات الجيوسياسية التي تؤثر على صناعة النفط في منطقة الشرق الأوسط.

وبرز ضعف البنية التحتية الدفاعية لشركة "أرامكو" في سبتمبر/أيلول، بعد هجوم بطائرات بدون طيار على اثنين من منشآتها تسبب لفترة وجيزة في تعطيل نصف إنتاج النفط السعودي. وقالت جماعة الحوثي اليمنية إنها نفذت الهجوم، لكن واشنطن والرياض ألقتا باللوم على إيران، المنافس الإقليمي للمملكة. ونفت إيران هذا الاتهام.

ويوجد مشروع رائد في "رؤية 2030" لإنشاء منطقة أعمال واسعة ذات تكنولوجيا فائقة في شمال غرب المملكة، تسمى مدينة "نيوم"، والتي تكلف 500 مليار دولار.

لكن المملكة كافحت لجذب الاستثمارات الأجنبية في الأعوام الأخيرة، وهي معضلة تفاقمت تزامنا مع انخفاض إيرادات النفط في أعقاب انهيار الأسعار في أواخر عام 2014، وفي الوقت نفسه، من المتوقع أن يرتفع عجز ميزانية المملكة إلى 50 مليار دولار العام المقبل، ارتفاعا من 35 مليار دولار هذا العام.

وترسم مؤشرات أخرى صورة قاتمة لقدرة المملكة على جذب المستثمرين الأجانب، وقال مؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية في "تقرير الاستثمار العالمي لعام 2019" إن تدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر إلى المملكة قد ارتفعت من 1.4 مليار دولار في عام 2017 إلى 3.2 مليار دولار في عام 2018، لكنها ظلت دون مستوى الذروة عام 2008 عندما بلغت 39 دولار مليار.

وقال التقرير إن "العوامل السياسية وانخفاض أسعار النفط كانت مسؤولة إلى حد كبير عن تدفق الاستثمار الأجنبي المباشر إلى المملكة بشكل أقل من المعتاد".

وفي الوقت نفسه، واجهت المملكة انتقادات دولية قوية لسجلها في مجال حقوق الإنسان، حتى في الوقت الذي أجرت فيه بعض الإصلاحات، مثل رفع الحظر على قيادة المرأة.

وقالت "هيومن رايتس ووتش" في تقرير هذا الشهر إن العشرات من رجال الدين والأكاديميين والمفكرين والمدافعات عن حقوق المرأة والكتاب قد تم اعتقالهم في أوقات مختلفة منذ تولي "محمد بن سلمان" منصب ولي العهد في يونيو/حزيران 2017.

وقال "كويليام" إن السعودية تأمل في الاستفادة من رئاستها التي تستمر لمدة عام لمجموعة العشرين، والتي تبدأ الشهر المقبل، كفرصة "لإعادة ضبط" صورتها من خلال محاولة حل 3 قضايا رئيسية لطخت سمعتها، وهي الحرب في اليمن، والمواجهة مع قطر، واحتجاز الناشطات في مجال حقوق المرأة.

السعوديون والصينيون والروس

وتعد الصين واحدة من بين المشاركين المتحمسين في الاكتتاب العام في "أرامكو" عبر صندوق الثروة السيادية للبلاد. ويقال إن شركات النفط الحكومية الصينية سوف تستحوذ على حصة في "أرامكو".

وتعد الصين بالفعل الشريك التجاري الأول للمملكة، حيث تحتل المرتبة الأولى بالنسبة للواردات والصادرات في عام 2018، ووقع البلدان اتفاقية تعاون اقتصادي بقيمة 28 مليار دولار. وفي وقت سابق من هذا الشهر، وقعت "أرامكو" السعودية اتفاقيات لمبيعات النفط الخام لعام 2020 مع 5 عملاء صينيين، ما أدى إلى زيادة حجم تلك المبيعات بمقدار 151 ألف برميل يوميا، وعزز موقع البلاد كأكبر مورد للنفط الخام في الصين.

كما عملت السعودية عبر منظمة "أوبك" مع روسيا في الأعوام القليلة الماضية لدعم أسعار النفط عن طريق خفض الإنتاج، والتقى الرئيس الروسي "فلاديمير بوتين" مع العاهل السعودي الملك "سلمان" وابنه ولي العهد خلال زيارته للمملكة في أكتوبر/تشرين الأول.

وقال "ستيفن هيرتوج"، الخبير في شؤون الخليج، إن الروابط التجارية السعودية الصينية قد تعززت بسرعة، وتوقع أن يستمر هذا الاتجاه حتى لو لم يسفر عن تحول جيوستراتيجي أساسي.

وقال "هيرتوج": "ليس لدى الصين مصلحة في إبراز قوة عسكرية قوية في الخليج في المستقبل المنظور، وتبقى الولايات المتحدة اللاعب الرئيسي في المنطقة، لذلك، أرى أن المملكة ستستمر في تعميق العلاقات التجارية مع الصين، لكنها سوف تواصل الاعتماد الاستراتيجي على الولايات المتحدة، حتى لو كانت أقل راحة بكثير مما كانت عليه تجاه هذا الوضع القائم".

المصدر | أدريان كروفت | فورتشن - ترجمة الخليج الجديد