الاثنين 2 ديسمبر 2019 02:04 م

نهب ثروات السودان حتى آخر نفس

رغم قيام ثورة شعبية اقتلعت النظام الحاكم لم تُقتَلع جذور الفساد بعد.

السودان ثري جداً بموارده المتعددة لكن هذا الثراء يذهب إلى قلة لا تزال تتركز في يديها الثروة والسلطة معا.

يسيطر قائد قوات الدعم السريع على مناجم الذهب ويهرّب ما يخرج منها إلى أسواق خارجية لحصد عشرات الملايين من الدولارات.

تدفقت الملايين على أرصدة حميدتي ليصبح أحد أثرى أثرياء السودان في سنوات معدودة بعد أن كان تاجر إبل وحامياً للقوافل.

*     *     *

في الوقت الذي كانت أعداد الفقراء في السودان تزداد بسرعة خاصة في السنوات الأخيرة، ويتدحرج الملايين منهم نحو الفقر المدقع الذي لا يجدون معه قوت يومهم وما يسد به بطون ذويهم، كانت تحويلات نقدية بمئات ملايين الدولارات تتدفق على حسابات الفريق أول محمد حمدان دقلو (حميدتي) قائد قوات الدعم السريع أو مليشيا الجنجويد من العاصمتين الرياض وأبوظبي، مقابل مشاركة قواته ضمن التحالف العربي في الحرب على اليمن التي اندلعت في عام 2015 وتكليفها بحماية ميناء الحديدة والحدود السعودية.

وفي الوقت الذي كانت أرقام غير رسمية تشير إلى أن 80% من السودانيين على عتبة الفقر، خاصة بعد انفصال الجنوب وفقدان ثروته النفطية، كانت ملايين الدولارات من أنشطة اقتصادية مختلفة تتدفق على أرصدة حميدتي، ليصبح واحداً من أثرى أثرياء السودان في غضون سنوات معدودة بعد أن كان تاجر إبل وحامياً لقوافل التجارة التي تتم بين بلاده والدول المجاورة مثل تشاد وليبيا.

وفي الوقت الذي كانت غالبية السكان يواجهون صعوبة شديدة في العثور على رغيف الخبز والبنزين والسولار والأدوية وتشحّ بنوكهم وماكينات الصرف الآلي من السيولة النقدية، كانت ثروة رجل السودان القوي تزداد انتفاخاً من أنشطة عدة.

أبرزها التمويل الخليجي، والتجارة غير المشروعة خاصة في الذهب، ومساعدات أوروبا المقدمة لقواته مقابل دورها في حراسة الحدود ووقف الهجرة غير الشرعية إلى القارة العجوز، خاصة القادمة من جنوب الصحراء ووسط أفريقيا، إضافة إلى ميزانية مباشرة من الرئيس المخلوع عمر البشير خارج رقابة الدولة مخصصة لقوات الجنجويد لتمويل حرب دارفور.

وفي الوقت الذي كان فيه الجنيه السوداني يتهاوى بسبب المضاربات واتساع رقعة السوق السوداء وتراجع موارد البلاد من النقد الأجنبي، خاصة من النفط وتحويلات المغتربين، وكانت خزانة البلاد خاوية، والحكومة ليس لديها القدرة على توفير الرواتب، كانت خزانة حميدتي مليئة بالعملات الأجنبية وفي المقدمة الدولار واليورو والذهب. 

وفي الوقت الذي كان فيه حميدتي يبدي تعاطفه الشديد مع ثوار السودان وآلاف المحتجين الذين تدفّقوا في شهر ديسمبر الماضي على شوارع السودان وعاصمته الخرطوم مطالبين بالغذاء والوقود والقضاء على الفساد المستشري في عموم البلاد، كان قائد قوات الدعم السريع يسيطر على مناجم الذهب ويهرّب ما يخرج منها إلى أسواق خارجية لحصد ملايين الدولارات.

وفي الوقت الذي كان حميدتي يتهم رجال عمر البشير بالتربح على حساب الشعب الفقير وأنهم يأخذون ما ليس من حقهم، كانت شركة تملكها أسرته وشقيقه عبد الرحمن دقلو تنقل سبائك ذهب منهوب من أراضي السودان بملايين الدولارات إلى دبي، بعيداً عن أعين الدولة ورقابة البنك المركزي السوداني، حسب استطلاع كشفت عنه رويترز مؤخرا.

وعندما كان الاقتصاد السوداني ينهار ولا تجد الدولة دولارا لتمويل واردات الأدوية والدقيق والأغذية، أطلق البشير يد حميدتي في بيع الذهب، أغلى مورد طبيعي في السودان بعد النفط الذي فقده بانفصال الجنوب، وكذا استخراجه والتنقيب عنه عن طريق مجموعة الجنيد التي تملكها أسرته.

ما كشفته "رويترز" وقبلها "العربي الجديد" عن ثروات حميدتي يؤكد أن كبار المسؤولين في السودان هم من ينهبون ثرواته، وأن السودان ثري جداً بموارده المتعددة، لكن هذا الثراء يذهب إلى قلة لا تزال تتركز في يديها الثروة والسلطة معاً، رغم قيام ثورة شعبية اقتلعت النظام الحاكم ولم تقتلع جذور الفساد بعد.

* مصطفى عبد السلام كتب ومحرر صحفي اقتصادي

المصدر | العربي الجديد