الاثنين 2 ديسمبر 2019 03:58 م

تركيا ولبنان والدفاع عن الليرة ... ما الفارق؟

أدرك المواطن اللبناني أن النخبة الحاكمة تراعي مصالحها بالدرجة الأولى، وتقبض على أموالها بالنقد الأجنبي.

ما الذي دفع الأتراك للدفاع عن عملتهم ضد المضاربات عليها ودفع اللبنانيين للتخلي عن عملتهم في أول اختبار منذ سنوات؟

نخب لبنان لا يهمها استقرار البلد بل انتفاخ أرصدتها بالبنوك وترفض كشف سرية حساباتها المصرفية حتى لا يعرف اللبنانيون مصدر الأموال ومشروعيتها؟

*     *     *

عندما وجد الأتراك أن عملتهم الوطنية، الليرة، تتعرض للانهيار تدافعوا للدفاع عنها والتمسك بها، وعندما وجد اللبنانيون أن عملتهم الوطنية، الليرة، تتعرض للانهيار بسبب ضبابية الوضع السياسي سارعوا بالضغط عليها والتفريط بها عبر شراء المزيد من الدولارات وسحب الودائع من البنوك، والعمل على إنعاش السوق السوداء للعملة.

خلال السنوات الأخيرة، خرج الأتراك للدفاع عن عملتهم في أوقات تعرضت فيه لخطر المضاربة الشديدة من قبل أطراف خارجية ومحلية، حيث اشتروا المزيد من الليرة وأدوات الدين المحلية من سندات وأذون خزانة، وباعوا ما في حوزتهم من نقد أجنبي، خاصة العملة الأميركية، وتوقفوا عن شراء الدولار، وقاطعوا شراء المنتجات الأميركية، بما فيها الإلكترونية.

حدث ذلك في مرات عدة، أبرزها عقب الانقلاب العسكري الفاشل الذي وقع منتصف عام 2016 وما أعقبه من انسحاب استثمارات أجنبية وأموال ساخنة من البلاد اما هرباً أو للضغط على النظام الحاكم.

كما حدث هذا التدافع قبيل إجراء الانتخابات الرئاسية والبرلمانية التي جرت في شهر يونيو 2018 وشهدت محاولة أطراف خارجية، أوروبية وأميركية وخليجية، التدخل فيها عبر التلاعب في الليرة وتسخين المضاربة عليها، في محاولة لهز الثقة في الاقتصاد التركي والنجاحات الاقتصادية لحزب العدالة والتنمية الحاكم منذ العام 2002.

أما أخطر محطة لدفاع الأتراك عن عملتهم فكانت عقب الحرب الاقتصادية الشرسة التي شنها الرئيس الأميركي دونالد ترامب ضد بلادهم واقتصادهم في بداية شهر أغسطس 2018 وأدت إلى إحداث هزة عنيفة لليرة وقفزة في الأسعار ومعدل التضخم، ساعتها تدافع الأتراك نحو البنوك للتنازل عما في حوزتهم من نقد أجنبي وشراء الليرة لوقف تهاويها.

في ذلك الوقت وفي أوقات أخرى، دعا أردوغان الأتراك إلى تحويل مدخراتهم من الذهب والعملات الأجنبية إلى الليرة لدعم العملة المحلية وإظهار التضامن الوطني، ووجدت الدعوة استجابة كبيرة، بعد أن أدرك الجميع حجم الهجمة الاقتصادية الشرسة التي يشنها ترامب ضد بلادهم عقابا لها على مواقفها السياسية، خاصة في ملف سورية، وعدم الإفراج عن القسيس الأميركي السجين أندرو برانسون، وإصرار أردوغان على شراء صفقة صواريخ "إس 400" الروسية المتطورة كبديلٍ عن صواريخ الباتريوت الأميركية، وموقف الرئيس التركي من قرار ترامب نقل السفارة الأميركية إلى مدينة القدس المحتلة.

في المقابل، وفي نوفمبر 2019 توجه آلاف اللبنانيين إلى البنوك لسحب ودائعهم، سواء كانت بالليرة أو الدولار أو العملات الأجنبية الأخرى، بسبب زيادة المخاطر الاقتصادية والسياسية التي تمر بها البلاد، واندلاع انتفاضة شعبية ضد النخب السياسية الفاسدة.

وأدى هذا التدافع إلى سحب نحو 3 مليارات دولار من البنوك خلال فترة وجيزة، وسحب 10 مليارات دولار خلال الستة شهور الأخيرة، حسب معهد التمويل الدولي، وهروب 5 مليارات دولار إلى خارج البلاد.

إذن، ما الذي دفع الأتراك للدفاع عن عملتهم ووأد حملات المضاربات المتكررة عليها، ودفع اللبنانيين للتخلي عن عملتهم في أول اختبار منذ سنوات طويلة؟

في الحالة التركية، خرج المواطن للدفاع عن اقتصاد بلاده وعملته ومستقبله والمزايا المعيشية التي حصل عليها في السنوات الأخيرة، حدث ذلك بغضّ النظر عن رأيه في النظام الحاكم وحكومة العدالة والتنمية.

وتمسّك المواطن بهذا الخيار عندما وجد في رئيسه أردوغان قدوة له حينما توجه الرئيس التركي إلى البنك الذي يتعامل معه وأعطى تعليمات بتحويل أمواله المودعة بالدولار واليورو إلى الليرة.

كما حولت مؤسسات الدولة أصولها إلى الليرة، بما في ذلك صندوق دعم صناعات الدفاع. مثلاً حولت بلدية إسطنبول نحو 42 مليون دولار من الأصول بالدولار إلى الليرة، بل إن بعض المؤسسات قدمت حفلات زفاف ووجبات كباب وقصات شعر وحتى شواهد قبور مجانية لكل من يحوّل عملة أجنبية إلى الليرة.

أما في الحالة اللبنانية، فإن المواطن أدرك أن النخبة الحاكمة تراعي مصالحها بالدرجة الأولى، ولا تزال تقبض على أموالها بالنقد الأجنبي، سواء المودعة في البنوك أو التي تم تهريبها إلى الخارج، وأن معظم هذه النخب لا يهمها مدى استقرار البلد بقدر تركيزها على انتفاخ حساباتها وأرصدتها في البنوك، وأنها لا تزال ترفض الكشف عن سرية حساباتها المصرفية، حتى لا يعرف اللبنانيون مصدر هذه الأموال، وما إذا كانت مشروعة أم لا؟

* مصطفى عبد السلام كاتب ومحرر صحفي اقتصادي

المصدر | العربي الجديد