الثلاثاء 3 ديسمبر 2019 07:07 م

تشهد إيران الاضطرابات السياسية الأكثر دموية منذ الثورة الإسلامية قبل 40 عاما؛ حيث تم قتل 180 شخصا على الأقل، فيما تم خنق الاحتجاجات الغاضبة من خلال حملة حكومية تم خلالها استخدام القوة الغاشمة.

كانت الاحتجاجات بدأت قبل أسبوعين مع الإعلان عن زيادة مفاجئة بنسبة 50% في أسعار البنزين. وفي غضون 72 ساعة كان المتظاهرون الغاضبون في المدن الكبيرة والصغيرة احتشدوا للمطالبة بإنهاء حكم الجمهورية الإسلامية وسقوط قادتها.

وفي العديد من الأماكن، ردت قوات الأمن بإطلاق النار على المتظاهرين العزل، وكان معظمهم من الشباب العاطلين عن العمل أو ذوي الدخل المنخفض الذين تتراوح أعمارهم بين 19 و26 عاما، وفقا لروايات شهود ومقاطع فيديو. وفي مدينة "ماهشهر" جنوب غربي البلاد وحدها، قال شهود وعاملون في المجال الطبي إن جنود الحرس الثوري الإسلامي حاصروا وأطلقوا النار على 40 إلى 100 متظاهر، معظمهم من الشباب غير المسلحين، في ملاذ لجأوا إليه.

وقال نائب مدير مركز حقوق الإنسان في إيران، وهي منظمة حقوقية مقرها نيويورك، "أوميد ميمريان": "تم استخدام القوة المميتة في جميع أنحاء البلاد بشكل لم يسبق له مثيل حتى بالنسبة للجمهورية الإسلامية وسجلها الراسخ في استخدام العنف".

  • قمع غير مسبوق

وإجمالا، تم قتل ما يتراوح بين 180 و450 شخصا، وربما أكثر، خلال 4 أيام من أعمال العنف في أعقاب الإعلان عن ارتفاع أسعار البنزين في 15 نوفمبر/تشرين الثاني، فيما أصيب 2000 شخص على الأقل، وتم احتجاز 7 آلاف، وفقا لمنظمات حقوق إنسان دولية وجماعات معارضة وصحفيين محليين.

وشهدت آخر موجة هائلة من الاحتجاجات في إيران، وقعت في عام 2009 بعد انتخابات متنازع على نتيجتها، مقتل 72 شخصا خلال فترة أطول بكثير امتدت إلى نحو 10 أشهر.

والآن فقط، بعد ما يقرب من أسبوعين من سحق الاحتجاجات، والتعتيم الإعلامي المتعمد إثر غلق الإنترنت في البلاد، بدأت التفاصيل حول حجم القمع في الظهور.

ولم تنبئ حالات انفجار الغضب الأخيرة فقط عن مستويات مذهلة من الإحباط المتراكم لدى الإيرانيين تجاه قادتهم، بل أكدت أيضا التحديات الاقتصادية والسياسية الخطيرة التي يواجهونها بسبب العقوبات الشديدة التي فرضتها إدارة "ترامب" على البلاد.

وجاءت الزيادة في أسعار البنزين والغاز في الوقت الذي تكافح فيه إيران لسد فجوة هائلة في الموازنة. وكانت العقوبات التي فرضتها إدارة "ترامب"، وأبرزها القيود المشددة المفروضة على صادرات النفط الإيراني، السبب الرئيسي لهذا العجز. وتهدف العقوبات إلى الضغط على إيران لإعادة التفاوض على بنود الاتفاق النووي لعام 2015، والذي تخلى عنه الرئيس "ترامب" بعد أن وصفه بأنه ضعيف للغاية.

وبدا أن معظم الاضطرابات في جميع أنحاء البلاد تتركز في الأحياء والمدن التي تسكنها عائلات من الطبقة العاملة ذات الدخل المنخفض؛ مما يشير إلى أن هذه الانتفاضة نشبت بين قاعدة جماهيرية كانت موالية تاريخيا لنظام الثورة الإسلامية.

ووجه العديد من الإيرانيين الغاضبين سهام غضبهم مباشرة إلى المرشد الأعلى "علي خامنئي"، الذي وصف القمع بأنه رد فعل مبرر على مؤامرة أعداء إيران في الداخل والخارج.

وفي بيان نُشر السبت على موقع للمعارضة على الإنترنت، ألقى أبرز المرشحين الخاسرين في انتخابات عام 2009، "مير حسين موسوي"، باللوم على المرشد الأعلى في عمليات القتل، وقارنها بالمذابح سيئة السمعة التي وقعت عام 1978 على أيدي القوات الحكومية، والتي أدت إلى سقوط الشاه "محمد رضا بهلوي" بعد عام واحد على أيدي الثوريين الإسلاميين الذين يحكمون البلاد الآن.

وقال "موسوي"، الذي ظل رهن الإقامة الجبرية منذ عام 2011 ونادرا ما يتحدث علنا: "كان قتلة عام 1978 ممثلين لنظام غير متدين، أما قتلة نوفمبر/تشرين الثاني 2019 فهم ممثلون لحكومة دينية. آنذاك، كان الشاه هو القائد الأعلى، واليوم لدينا المرشد الأعلى".

  • احتجاجات واسعة النطاق

وقد رفضت السلطات تحديد حجم الخسائر البشرية والاعتقالات، ونددت بالأرقام غير الرسمية. لكن وزير الداخلية في البلاد، "عبد الرضا رحماني فضلي"، أشار إلى أن الاضطرابات كانت واسعة النطاق.

وقالت وسائل الإعلام الرسمية إن الاحتجاجات اندلعت في 29 من أصل 31 مقاطعة إيرانية، فيما تعرضت 50 قاعدة عسكرية للهجوم. وإذا كانت هذه البيانات صحيحة، فإنها تشير إلى مستوى من التنسيق كان غائبا في الاحتجاجات السابقة. وذكرت وسائل الإعلام الرسمية الإيرانية أن العديد من أفراد قوات الأمن تم قتلهم أو جُرحوا خلال الاشتباكات.

وقال وزير الداخلية إن الأضرار التي لحقت بالممتلكات شملت أيضا 731 بنكا، و140 مكانا عاما، و9 مراكز دينية، و70 محطة للبنزين، و307 مركبة، و183 سيارة شرطة، و1076 دراجة نارية، و34 سيارة إسعاف.

ووقعت أسوأ أعمال عنف موثقة حتى الآن في مدينة ماهشهر، التي يبلغ عدد سكانها 120 ألف شخص في مقاطعة خوزستان جنوب غربي إيران، وهي منطقة ذات أغلبية عرقية عربية لديها تاريخ طويل من الاضطرابات المعارضة للحكومة المركزية. وتقع ماهشهر بجوار أكبر مجمع صناعي للبتروكيماويات في البلاد، وهي بمثابة بوابة إلى ميناء "بندر الإمام الخميني"، أو "ميناء خور عبد الله" كما يُعرف.

وأجرت صحيفة "نيويورك تايمز" مقابلات مع 6 من سكان المدينة، بمن فيهم زعيم الاحتجاج، ومراسل مقيم في المدينة يعمل لصالح وسائل الإعلام الإيرانية، والذي أجرى تحقيقا في أعمال العنف ولكن تم منعه من النشر، وممرضة في المستشفى التي استضافت المصابين. وقدم كل منهم روايات متطابقة عن كيفية نشر الحرس الثوري لقوة كبيرة في ماهشهر، يوم 18 نوفمبر/تشرين الثاني؛ لسحق الاحتجاجات. وتحدث الجميع بشرط عدم الكشف عن هويتهم خوفا من العقاب من قبل الحرس الثوري.

وعلى مدار 3 أيام، وفقا لهؤلاء الشهود، نجح المحتجون في السيطرة على معظم ماهشهر وضواحيها، وأغلقوا الطريق الرئيسي المؤدي إلى المدينة ومجمع البتروكيماويات الصناعي المجاور. وأكد وزير الداخلية الإيراني أن المحتجين سيطروا على "ماهشهر"، وتطرق إلى ذلك في مقابلة تلفزيونية الأسبوع الماضي، لكن الحكومة الإيرانية لم ترد على الأسئلة المطروحة حول عمليات القتل الجماعي في المدينة.

وقال بعض السكان إن قوات الأمن المحلية وضباط شرطة مكافحة الشغب حاولوا تفريق الحشود وفتح الطرق، لكنهم فشلوا. واندلعت عدة اشتباكات بين المتظاهرين وقوات الأمن خلال أول يومين للاحتجاجات، قبل إرسال قوات الحرس الثوري إلى المقاطعة.

وعندما وصلت قوات الحرس بالقرب من مدخل ضاحية شهران شمران، التي يسكنها أفراد من ذوي الدخل المنخفض من الأقلية العربية العرقية في إيران، قامت بإطلاق النار فورا دون سابق إنذار على عشرات الرجال الذين أغلقوا التقاطع؛ مما أدى إلى مقتل العديد منهم على الفور، وفقا للسكان الذين تم الحديث معهم عن طريق الهاتف.

وقال السكان إن المتظاهرين الآخرين تدافعوا إلى ملجأ قريب، وأن أحدهم -كان مسلحا ببندقية "إيه كي 47"- رد بإطلاق النار. وقال السكان إن قوة الحرس طوقت الرجال على الفور، وردوا بنيران الرشاشات، وقتلوا ما يصل إلى 100 شخص.

وقال السكان إن قوة الحرس الثوري قامت بتكديس القتلى على ظهر شاحنة قبل أن تغادر بها، بينما تم نقل المصابين إلى مستشفى "ميمكو".

وقال أحد السكان، وهو خريج جامعي عاطل عن العمل ساعد في تنظيم الاحتجاجات، إنه كان على بعد أقل من ميل واحد من إطلاق النار الجماعي، وأن أقرب صديق له (عمره 24 عاما) وابن عمه (32 عاما)، كانا من بين القتلى. وقال إنه تمت إعادة الجثتين إلى عائلتيهما بعد 5 أيام، وذلك فقط بعد أن وقعوا على أوراق تتعهد بعدم عقد الجنازات أو إجراء مقابلات مع وسائل الإعلام.

وقال منظم الاحتجاج الشاب إنه تعرض هو الآخر لإطلاق النار في 19 نوفمبر/تشرين الثاني، بعد يوم من إطلاق النار الجماعي، عندما اقتحم الحرس حي" شهرك طالقاني" بالدبابات، وهو من بين أفقر ضواحي ماهشهر.

وقال إن معركة بالأسلحة النارية اندلعت لساعات بين الحرس والسكان العرب، الذين يحتفظون عادة بالأسلحة لغرض الصيد في المنازل. وذكرت وسائل الإعلام الرسمية الإيرانية، وشهود عيان، أن قائدا كبيرا في الحرس الثوري قد تم قتله في اشتباك في ماهشهر.

وقالت ممرضة تبلغ من العمر 32 عاما في ماهشهر، عبر الهاتف، إنها كانت تمرض الجرحى في المستشفى، وأن معظمهم كانوا مصابين بأعيرة نارية في الرأس والصدر.

وقالت الممرضة إن قوات الأمن المتمركزة في المستشفى اعتقلت بعض المحتجين الجرحى بعد أن استقرت ظروفهم الصحية. وقالت إن بعض الأقارب، خوفا من اعتقال ذويهم، أخرجوا جرحاهم من المستشفى وهربوا وهم يغطون وجوههم.

وفي 25 نوفمبر/تشرين الثاني، أي بعد أسبوع من هذا الحادث، وجه ممثل المدينة في البرلمان انتقادات حادة للحكومة تم بثها على شاشات التلفزيون الحكومي الإيراني، وأعيد بثها عبر الإنترنت.

وفي المقاطع المنشورة صرخ النائب الإيراني منتقدا الحكومة قائلا: "ما فعلتموه لم يفعله الشاه المخلوع".

وقال المراسل المحلي في ماهشهر إن العدد الإجمالي للأشخاص الذين تم قتلهم خلال 3 أيام من الاضطرابات في المنطقة بلغ 130.

وفي مدن أخرى، مثل شيراز وشهريار، قُتل العشرات في الاضطرابات على أيدي قوات الأمن التي أطلقت النيران على المتظاهرين العزل، وفقا لجماعات حقوقية ومقاطع فيديو نشرها الشهود.

وقال "يوسف السرخي"، البالغ 29 عاما، وهو ناشط سياسي من خوزستان هاجر إلى هولندا قبل 4 أعوام: "لقد دفع هذا النظام الناس نحو العنف. وكلما زاد القمع، زاد غضب الناس".

وقال محللون سياسيون إن الاحتجاجات وجهت ضربة قوية للرئيس "حسن روحاني"، وعززت فرص فوز المتشددين في الانتخابات البرلمانية والرئاسية المقبلة.

ويشير الرد الصارم على الاحتجاجات يشير إلى وجود خلاف حاد بين قادة إيران وشرائح كبيرة من السكان البالغ عددهم 83 مليون نسمة.

وقال محلل الشؤون الإيرانية في مجموعة "أوراسيا" للاستشارات السياسية في واشنطن "هنري روما": "كان رد الحكومة وحشيا وسريعا". وأضاف أن الاحتجاجات "أثبتت أيضا أن العديد من الإيرانيين لا يخشون النزول إلى الشوارع".

المصدر | نيويورك تايمز