الثلاثاء 10 ديسمبر 2019 11:13 ص

دفع عدد من الانتكاسات السياسية المملكةَ العربية السعودية إلى إعادة النظر في الحصار المفروض على قطر، ما أثار احتمالات التقارب من جديد.

ومنذ أن ضربت الطائرات بدون طيار والصواريخ المنشآت النفطية السعودية في "خريص" و"بقيق"، في سبتمبر/أيلول، عاودت الرياض النظر في استراتيجياتها وتكتيكات سياستها الخارجية.

ودفعت هذه الهجمات غير المسبوقة، التي استهدفت محرك الاقتصاد السعودي، الرياض إلى محاولة مواجهة التهديدات الحقيقية االتي تواجه المملكة بشكل أفضل، بدلا من السعي وراء تهديدات مختلقة أو مبالغ فيها في أفضل الأحوال.

وفي هذا السياق، ترى القيادة السعودية أن الجهود الرامية إلى عزل الدوحة أقل أهمية في الفترة الحالية مقارنةً بالفترة السابقة، ولم يأتِ الحصار بالكثير من الفوائد من وجهة النظر السعودية، وعلى الرغم من صعوبة تخيل أن السعودية سوف تعدل موقفها تجاه قطر بشكل كلي، فقد كان هناك اعتدال ملحوظ في خطاب الرياض وسياساتها المتعلقة بالدوحة.

تفاهم جديد

وتشير الدلائل إلى أن السعودية وقطر قد تتوصلان إلى "تفاهم جديد" قد يؤدي إلى إعادة العلاقات الثنائية إلى طبيعتها قبل نهاية هذا العام.

وفي الأشهر الأخيرة، تؤكد المناقشات عبر القنوات الخلفية وزيارة المسؤولين القطريين رفيعي المستوى إلى المملكة كيف استفادت دولتا الخليج من مجموعة جديدة من الظروف لفتح الباب أمام المصالحة.

وفي الفترة التي سبقت قمة مجلس التعاون الخليجي الثالثة منذ اندلاع أزمة الخليج في منتصف عام 2017، والمقرر عقدها اليوم 10 ديسمبر/كانون الأول، كانت هناك مؤشرات تشير إلى أن المسؤولين السعوديين والقطريين يتخذون خطوات تهدف إلى إصلاح العلاقات.

وقرأ العديد من النقاد قرار المملكة بدعوة أمير قطر كإشارة توحي بأن حل النزاع في الخليج قد يأتي قريبا، على الرغم من أن أمير قطر فضل عدم الحضور وأرسل وفد بلاده بقيادة رئيس الوزراء بدلا من ذلك.

وبالإضافة إلى ذلك، غطت المنافذ الإعلامية في السعودية، وفي الدول الأخرى في الكتلة المناهضة لقطر، وهي البحرين ومصر والإمارات العربية المتحدة، بطولة الخليج العربي في قطر بلهجة غير معادية للدوحة، في إشارة إلى مواقف أقل خشونة ضد قطر.

وأخيرا، تم نقل قمة مجلس التعاون الخليجي إلى السعودية، في حين كان مخططا لها في البداية لتكون في دولة الإمارات، الخصم الأبرز للدوحة، وزاد هذا التغيير من التفاؤل بأن تؤدي القمة إلى انفراجة في الصدع الذي دام عامين ونصف العام.

ومع توفير كأس الخليج العربي لكرة القدم الفرصة لتحسين العلاقات بين الرياض والدوحة، قد يحرص المسؤولون السعوديون على جذب الاستثمارات القطرية من أجل الاكتتاب العام في "أرامكو" ومشروعات أجزاء أخرى ضمن "رؤية 2030".

ومع ذلك، يبدو أن الرياض لم تتخذ ما يكفي من الخطوات لعلاج مخاوف الدوحة قبل قمة مجلس التعاون الخليجي، حيث لم يتم تخفيف الحصار ضد قطر، ولذلك اختار أمير قطر عدم حضور القمة بنفسه في النهاية.

هل السعودية والإمارات في هذا الأمر معا؟

لا يمكن إنكار أن تكتيكات الرياض وأبوظبي وتصوراتهما واستراتيجياتهما في المنطقة لا تتوافق دائما، وكان العنف الذي نشب بين المجلس الانتقالي الجنوبي المدعوم من الإمارات، والحكومة اليمنية المدعومة من السعودية بعد حصار المجلس الانتقالي لعدن في أغسطس/آب، قد سلط الضوء على هذا الواقع الجيوسياسي.

ويبقى من المرجح أن السعودية والإمارات سوف تتعاملان مع فرص انفراج العلاقات مع الدوحة بشكل مختلف.

وكما يقول "كريستيان أولريخسن" الباحث في معهد بيكر للسياسات الدولية: "لقد تم توجيه الكثير من العداوة ضد قطر من أبوظبي، ما يعني أنه قد يكون من الصعب إصلاح علاقات أبوظبي مع الدوحة بالمقارنة مع السعودية".

وتتأثر تصورات أبوظبي حول قطر بشدة بالعوامل الأيديولوجية، في حين أن هذه العوامل ليست حاضرة بقوة في حالة الرياض، ومع حرب المعلومات التي شنتها الإمارات ضد قطر منذ مايو/أيار 2017، يبقى من الصعب تصور حدوث مصالحة بين أبوظبي والدوحة.

ورغم كل تلك الخلافات، لا يمكن رفض فكرة انضمام أبوظبي إلى الرياض في جهودها للتقارب مع الدوحة لسببين رئيسيين:

أولا، يبدو أن هناك ضغوطا أمريكية على الإمارات للتصالح مع قطر.

وثانيا، من الواضح أن الاقتصاد في دبي يعاني بسبب الحصار المفروض على الدوحة، الأمر الذي قد يدفع القيادة الإماراتية إلى إعادة النظر في علاقاتها مع قطر، خاصة مع تغير موقف الرياض.

وبالتالي، قد تكون الإمارات مستعدة لتقديم مبادرات إلى خصمها اللدود في مجلس التعاون الخليجي، بعد أن قضت أبوظبي عامين ونصف العام في اتهام الدوحة بنشر الكراهية والإرهاب والتطرف في جميع أنحاء المنطقة.

وبغض النظر عن العامل المحرك للإمارات، فإن التقارب السعودي القطري المحتمل يمثل بحد ذاته نجاحا كبيرا للكويت، وباعتبارها الدولة الخليجية التي تقود جهود الوساطة منذ أن بدأ هذا الخلاف الملتهب في منتصف عام 2017، فقد عملت الكويت بلا كلل لحل أزمة مجلس التعاون الخليجي.

وحاولت سلطنة عُمان أيضا المساعدة في حل النزاع، ما يجعل أي تحسن في العلاقات تطورا مرحبا به من منظور مسقط.

نقطة تحول للسعودية

إذا قامت المملكة بإنهاء تجميد علاقاتها الدبلوماسية والاقتصادية مع قطر، فسوف تشير هذه الخطوة إلى حدوث تحول كبير في سياسة الرياض الخارجية في ظل حكم ولي العهد "محمد بن سلمان" ووالده الملك "سلمان".

وإذا حدث هذا الأمر في أي وقت قريب، فسيكون من الضروري فهم هذه اللحظة ضمن السياق الأكبر للتحديات الجيوسياسية التي تواجهها السعودية، سواء على صعيد تحالفها مع واشنطن، أو منافستها الكبرى ضد إيران.

وأدركت الرياض من خلال هجمات "أرامكو" أن استعداد إدارة "ترامب" لحماية المملكة أصبح موضع شك كبير، فعلى الرغم من كل الأموال التي أنفقها السعوديون على التكنولوجيا العسكرية والأسلحة الأمريكية، فمن الواضح أن ظهر المملكة لا يزال مكشوفا للغاية للجهات الفاعلة الأجنبية التي تسعى لتقويض المملكة.

علاوة على ذلك، تركت هجمات 14 سبتمبر/أيلول الرياض أكثر قلقا بشأن الإمكانية الحقيقية لدخول الولايات المتحدة وإيران في مواجهة عسكرية، بالنظر إلى الآثار المترتبة على تلك المواجهة على الأمن السعودي.

وأخيرا، ترك قرار الرئيس "دونالد ترامب" بالانسحاب من شمالي سوريا في أكتوبر/تشرين الأول 2019 في أعقاب حديثه مع الرئيس التركي "رجب طيب أردوغان"، ترك السعوديين يعتقدون أن البيت الأبيض لا يمكن الوثوق به.

ودفعت هذه العوامل، من بين أمور أخرى، القيادة السعودية إلى إعادة النظر في السياسة الخارجية للمملكة، ومن شأن التقارب مع قطر أن يخدم مصالح الرياض على أفضل وجه، وسط هذه الفترة الخطيرة التي تعد استعادة وحدة مجلس التعاون الخليجي خلالها ضرورة قصوى.

المصدر | جورجيو كافييرو | تي آر تي وورلد - ترجمة الخليج الجديد