الأربعاء 11 ديسمبر 2019 08:02 م

سكاكين في ليل بغداد

أي نكتة سمجة هذه أيها القتلة؟ وفي أي سوق تريدون ترويج بضاعتكم الفاسدة؟

المستبدون بـ«المنطقة الخضراء» لم يجدوا ما يدافعون به عن غنائمهم إلا اتهام الشبان بالعمالة لأمريكا التي سلّمتهم العراق.

 يسجلون جرائمهم باسم مجهول لكن «المجهول» معلوم في ليل بغداد التي أدمت السكاكين أجساد شبابها المتدفقين حياة وعزيمة وإرادة.

*      *      *

ملثمون مدججون ببنادق القتل وسكاكين الطعن حملتهم سيارات رباعية الدفع إلى ساحة الخلاني وجسر السنك، ليس بعيداً عن ساحة التحرير في بغداد ليمعنوا في قتل الشباب العزل، الأبرياء، الحالمين بعراقٍ آخر غير عراق الميليشيات ومافيات المال والاستبداد الذين استووا على حكم بلاد لا يشرفونها.

خلال وقت قصير أسال هؤلاء القتلة المزيد من الدماء، التي فاضت بها أرض الرافدين، منذ أن خرج شبان العراق يطالبون بالحرية من مستعبديهم ومستغليهم.

ككل المجرمين المحترفين اختار القتلة الليل لارتكاب جرائمهم. اللثام على وجوههم لم يكن كافياً لإخفاء ما أرادوا إخفاءه. وجدوا في الليل لثاماً آخر، يسترون بهم همجيتهم وهي تفصح عن نفسها طعناً لأجساد الشبان الذين بالكاد تفتحت أزهار أعمارهم، يريدون ما هو حقاً لهم:

أن يتلقوا تعليماً جيداً في بلد قدّم ما قدّم من العلماء والمفكرين والشعراء والكتّاب، وأن ينالوا تطبيباً جيداً في بلدٍ تمتلئ الدنيا اليوم بخيرة أطبائه، وأن ينالوا عملاً في بلدٍ وهبه الله من الثروات ما لم يهب الكثير سواه من البلدان.

حين تقلّ الحيلة أمام الطغاة والمستبدين في كل مكان وفي كل زمان، يعمدون إلى خلط الأوراق وبعثرتها. ويسجلون جرائمهم باسم مجهول، لكن «المجهول» معلوم في ليل بغداد التي أدمت السكاكين أجساد شبابها المتدفقين حياة وعزيمة وإرادة.

يذهلنا في صور الشبان الذين أصبحوا شهداء، النور المشعّ من عيونهم الواسعة الجميلة. للشهداء دائماً عيون جميلة وابتسامات مشرقة بالحياة.

ونخال مقدار الفجيعة في نفوس أمهاتهم الثكالى، هن اللواتي ودعنهم بالأدعية وأوصينهم بالحذر وهم يغادرون البيوت نحو ساحات يعرفون سلفاً أن الموت قد يكون لهم فيها مصيراً، ولكنهم يذهبون بقلوب مؤمنة غير راجفة بالخوف.

المستبدون في «المنطقة الخضراء» الذين أتت بهم دبابات جورج بوش وتوني بلير إلى كراسي الحكم الوثيرة وأجلستهم على خزائن المال لم يجدوا ما يدافعون به عن غنائمهم التي لا تحصى أو تعدّ سوى اتهام هؤلاء الشبان بالعمالة لأمريكا! أمريكا التي سلّمت لهم العراق على أطباق من ذهب. أي نكتة سمجة هذه أيها القتلة؟ وفي أي سوق تريدون ترويج بضاعتكم الفاسدة؟

لا أدري إذا كنت قد قرأت أو سمعت أن منظر الدم المهدر يثير لدى القاتل المزيد من شهية القتل، لذا فإن من أرسلوا حَمَلة السكاكين إلى ساحة الخلاني وجسر السنك، روّجوا دعوات غادرة تستدرج الشبان نحو المنطقة الخضراء، تهيئة لحمّام دم جارٍ الإعداد له، فعسى الله يلهم الشبان الحذر.

* د. حسن مدن كاتب صحفي من البحرين

المصدر | الخليج - الشارقة