لحظة عالمية راهنة من دون بوصلة للقيم

يستمر صعود الاستبداد كتوجه عالمي يتمظهر بدرجات وصور مختلفة.

الاستقطاب الدولي بالغ الحدة والسياسة تتراجع لمصلحة الأزمات المعلّبة والحريات تقنّن بسبب انفلات التكنولوجيا.

الفقر والإرهاب يزدادان التقاءً وتزاوجاً والتعصّب الديني والقومي يتطلّب مكافحة صارمة وإلا اندلعا صراعاتٍ وحروب أهلية.

قال الأمين العام للأمم المتحدة إن «حق الهجرة أصبح في خطر». واقعياً يجدر التحذير من أن حقوقاً أساسية كثيرة أصبحت في مهب الريح.

*     *     *

كيفما تتلفّت تصدمك ظواهر التطرّف، مرفقة أو غير مرفقة بالعنف، لكنها تفضي في النهاية إلى آفاق مسدودة. تتساوى في ذلك بلدان غنية بنت لنفسها دولاً وعاشت عقوداً طويلة من التسالم، وأدركت مقداراً مهمّاً من النمو والتقدّم، مع بلدان فقيرة لم تحظَ بمثل هذا السلام أبداً أو مرّ بها لفترات متقطعة، وبالطبع لم تستطع أن تبني دولاً.

تتساوى أيضاً دولٌ تتباهى بديمقراطيتها، وأخرى سحقت الأنظمة الاستبدادية مجتمعاتها. فمثلاً مع الفارق في الظروف يُحاكم دونالد ترمب في الكونجرس ليُعزل، فيما يواجه عمر البشير محكمة جنائية خاصة بعد خلعه. ورغم أن المقارنة لا تبدو علمية، فإن دوافع المساءلة هي جموح الاثنين في إساءة استخدام السلطة.

المقلق في اللحظة العالمية الراهنة أنه لم تعد هناك بوصلة للقيم، وكأن هذه اللحظة خلاصة انهيارات صغيرة متلاحقة، وصار تراكمها يشكّل بمجموعه انهياراً كبيراً يصعب إصلاحه. شيء يشبه التغيير البطيء المتعاظم في أزمة المناخ وارتفاع حرارة الأرض، أو الانتشار السرطاني في الجسم بدءاً من خلية واحدة فاسدة.

هذه ليست اعتبارات إنشائية مجانبة للروح الإيجابية، ولا هي مغرقة في تشاؤم مجاني، وإنما هي نتيجة مراقبة لمناحٍ تصاعدية، يرى كثيرون أنها الآن مترابطة. خذوا مثلاً الاحتجاجات الشعبية من الهند وهونغ كونغ إلى العراق وإيران، وكيف أن السلطات لم تتردّد في ارتكاب العنف المفرط.

مثال آخر: إصرار قوى السلطة في الجزائر ولبنان على فرض الحلول المناسبة لها ومواجهة الحراك السلمي بمزيج من القمع، واختراق مجموعاته. مثال آخر: قصف جوي متعمّد لمخيم مهجّرين ومستشفيات ومدارس في سوريا وغضب روسي من إثارة الأمر في مجلس الأمن.

هناك في مقابل هذه البلدان المأزومة نمط آخر من البلدان وبوقائع مختلفة، خذوا مثلاً كيف أن الناخبين البريطانيين كافأوا رئيس وزراء وُصف بأقذع النعوت وقالت المحكمة العليا إنه كذب وخادع الأعراف عندما طلب تعليق البرلمان، لكنه يملك الآن غالبية مريحة في هذا البرلمان، ويعني ذلك أن جمهور الديمقراطية الأكثر عراقة في العالم استحسن ألاعيبه.

مثال آخر: يمارس الرئيس ترمب عملية ابتزاز للرئيس الأوكراني فيجمّد مساعدات أميركية لبلاده لقاء معلومات أوكرانية يمكن أن تساعده في التشهير بمنافسه المفترض في الانتخابات الرئاسية المقبلة، وحين يحاول خصوم الرئيس بناء ملف لمحاسبته إذا بشعبيته تصمد وتدعمه، أي أن جمهوره لم يعد يأبه بأي قيم.

طبعاً هناك لائحة طويلة من الحكام والأنظمة حول العالم الذين يديرون بلدانهم بقوانين خاصة تعكس إرادتهم وتسلّطهم، أو بتجاهل تامٍّ لقوانين أشرفوا على وضعها، لذلك يُطرح السؤال عن الفارق بين هؤلاء وأولئك.

في غمار ذلك تُطلَق هنا اتهامات بالدكتاتورية والفساد والإجرام، وتُطلَق هناك اتهامات بالكذب والخداع وانتهاك القانون والدستور. لكن تزداد صعوبة التمييز ويستمر صعود الاستبداد كتوجه أو «تريند» عالمي يتمظهر بدرجات وصور مختلفة.

يقال على سبيل التفسير أو التبرير إنه الاستقطاب الدولي في حدّته، وإن السياسة تتراجع لمصلحة الأزمات المعلّبة، وإن الحريات تقنّن بسبب الانفلات التكنولوجي، وإن الفقر والإرهاب يزدادان التقاءً وتزاوجاً، وإن التعصّبات الدينية والقومية تتطلّب مكافحة صارمة وإلا تحوّلت إلى صراعاتٍ وحروب أهلية.

لكن أكثر الحكام عداء لهذه الحروب هم أكثرهم إثارة لها. في صرخة أخيرة قال الأمين العام للأمم المتحدة إن «حق الهجرة أصبح في خطر». واقعياً يجدر التحذير من أن حقوقاً أساسية كثيرة أصبحت في مهب الريح.

* عبد الوهاب بدرخان كاتب صحفي لبناني  

المصدر | العرب القطرية