الثلاثاء 31 ديسمبر 2019 09:18 ص

2020… خطوط الصراع في عقد العرب الجديد

اكتشف المواطنون أن الحكّام غير الخاضعين للمساءلة والسياسيين الطائفيين هم السبب الرئيسي وراء مشقات الاقتصاد والفساد.

استخدمت السلطوية ترساناتها الإعلامية الضخمة لفرض عبادة الفرد الحاكم وتصويره كمنقذ وحيد لبلاده.

التنمية الاقتصادية ومكافحة الفساد وتحسين الخدمات العامة هي الأكثر إلحاحاً في نظر أكثرية كبيرة من الأشخاص في هذه البلدان.

بحلول 2013 بدا أن الأكثريات العربية تقبل بصفقة تعرضها السلطوية: الحصول على الغذاء والأمن مقابل الخضوع لحكّامٍ متفلّتين من المساءلة.

ركّزت مطالب التغيير السياسي على إنهاء عهد الحكومات الخاضعة إلى لسيطرة الجيش وانطبع حكمها بتدهور الاقتصاد وتفشّي الفساد.

*     *     *

في 2019 وبعد سنوات من الخمول، أعاد خروج المواطنين العرب إلى الشارع من جديد ظاهرة الانتفاضات الشعبية إلى الواجهة.

كانت النتائج الهزيلة التي حققتها انتفاضات 2011 قد دفعت تدريجاً باتجاه اندثار الحركات الاجتماعية والسياسية التي طالبت بالتغيير الديمقراطي ومساءلة الحكومات. وبحلول 2013، بدا أن الأكثريات في العالم العربي على استعداد للقبول بالصفقة السلطوية التي تعرضها عليها حكوماتها، أي الحصول على الغذاء والأمن مقابل الخضوع إلى حكّامٍ متفلّتين من المساءلة.

ومنعاً لتكرار انتفاضات 2011، عمدت الحكومات العربية (ماعدا تونس) إلى إقرار قوانين جائرة تفرض قيوداً شديدة على حريات المواطنين، وأطلقت يد الأجهزة الأمنية على نطاق أوسع لإبقاء المجموعات المعارِضة والنشطاء المؤيّدين للديمقراطية تحت السيطرة.

فضلاً عن ذلك، خصّصت الحكومات العربية المزيد والمزيد من الموارد الشحيحة لمناصري الأنظمة الذين يشغلون أعلى المناصب في البيروقراطيات الحكومية الفاسدة ولرجال الأعمال المحسوبين على تلك الأنظمة.

كما استخدمت ترساناتها الإعلامية الضخمة لفرض عبادة الفرد المتمثّل بالحاكم ـ سواءً كان رئيس جمهورية أو ملكاً أو ولي عهد ـ وصُوِّر هؤلاء الحكّام وكأنهم المنقذون الوحيدون لدولهم.

غير أن 2019 شهد على نحوٍ غير متوقع مواجهة الحكومات العربية لتحدّيات شعبية تعترض تطلعاتها إلى فرض سلام أوتوقراطي. فقد خرج المواطنون إلى الشارع في بلدانٍ لم تكن جزءاً من انتفاضات 2011 وطالبوا بالتغيير السياسي.

واندلعت الاحتجاجات في السودان والجزائر والعراق ولبنان بدفعٍ من المشقّات الاقتصادية والتقت شرائح واسعة من السكان في نظرتهم السلبية إلى التزام الحكومة بتحسين مستويات المعيشة ووضع حد للفساد.

يُشار إلى أن البلدان الأربعة المذكورة مدرَجة في قائمة الدول التي تعاني من فساد مستشرٍ حسب مؤشر مدركات الفساد الصادر عن منظمة الشفافية الدولية.

وقد أظهرت استطلاعات الرأي العام التي أجرتها شبكة الباروميتر العربي في جامعة برنستون، أن التنمية الاقتصادية ومكافحة الفساد وتحسين نوعية الخدمات العامة هي المسائل الأكثر إلحاحاً في نظر أكثرية كبيرة من الأشخاص في هذه البلدان.

هذا ما عبّر عنه 79 في المئة من السودانيين، و81 في المئة من الجزائريين، و56 في المئة من العراقيين، و73 في المئة من اللبنانيين. لقد فقدت المؤسسات الحكومية ثقة المواطنين بها.

لقد ركّزت مطالب التغيير السياسي في السودان والجزائر على إنهاء عهد الحكومات الخاضعة إلى سيطرة الجيش والتي انطبع حكمها بتدهور الأوضاع الاقتصادية، وتفشّي الفساد على نطاق واسع جداً، وتردّي الخدمات العامة، وانتهاكات حقوق الإنسان.

ورفعَ المطالِبون بالتغيير في العراق ولبنان شعار نبذ السياسة المذهبية. لقد وضعت الاحتجاجات الحاشدة في العراق ولبنان، التي يتصدّر الطلاب والنشطاء الشباب صفوفها، إسقاط النخب الطائفية في رأس أولوياتها. تحكم هذه النخب العراق منذ 2003، وتُهيمن على السياسة اللبنانية منذ عقود، ما أدّى إلى إفراغ الأطر الديمقراطية التمثيلية في البلدَين من أي جوهر ليبرالي.

لقد تسبّبت السياسة الطائفية بتقويض سيادة القانون على نحوٍ منهجي، وأفسحت في المجال أمام تفشّي الفساد، وأتاحت صعود الميليشيات المسلحة التي تتحرك خارج الأطر القانونية لتهديد المواطنين وقمع المعارضين بصورة مستمرة.

اكتشف المواطنون في السودان والجزائر والعراق ولبنان أن الحكّام غير الخاضعين إلى المساءلة والسياسيين الطائفيين هم السبب الرئيسي وراء المشقات الاقتصادية والفساد.

وقبل كل شيء، رفعت الاحتجاجات في أنحاء العالم العربي الصوت تعبيراً عن الاستنكار الجماعي للصفقة التي تقوم عليها الأنظمة السلطوية. فالأكثرية لم تعد تقبل بمقايضة الكرامة والحرية وحقوق الإنسان بالغذاء والأمن.

ليس واضحاً بعد إذا كانت احتجاجات 2019 سوف تؤدّي إلى إسقاط السلام العربي الأتوقراطي. فالحكّام المتفلتون من المساءلة والسياسيون الطائفيون ليسوا على استعداد للتخلي عن السلطة من دون مواجهة، ولا للرضوخ لمطالب المحتجين.

فلطالما بُنيت سيطرتهم على الأجهزة الأمنية الهمجية، والبيروقراطيات الحكومية الفاسدة، ورجال الأعمال المحسوبين عليهم، ووسائل الإعلام الخاضعة إلى سيطرة الدولة، والشبكات الطائفية والزبائنية.

ومما لا شك فيه أنهم لن يتوانوا عن اللجوء إلى العنف المطلق والقمع الذي لا حدود له من أجل الحفاظ على المساومة التي تقوم عليها أنظمتهم السلطوية. ليس مؤكداً ما إذا كانت الأكثريات ستُظهر قدرة أكبر على الصمود في 2019 وتتجنّب السقوط في فخ العنف الذي تجرّها إليه الحكومات، من خلال التمسّك بسلمية الاحتجاجات.

ولكن على ضوء نجاح السودانيين في فرض اتفاق على الجيش لتقاسم السلطة ديمقراطياً، واستمرار التظاهرات في الجزائر والاحتجاجات الحاشدة غير العنفية في العراق ولبنان ثمة ما يدعو إلى الأمل في 2020.

* د. عمرو حمزاوي أستاذ علوم سياسية، وباحث بجامعة ستانفورد الأمريكية

المصدر | القدس العربي