الثلاثاء 31 ديسمبر 2019 05:48 م

يبدو أن روسيا وإيران والصين، كمحور معادٍ للولايات المتحدة، تطور "استراتيجية ثلاثية" جديدة لمزيد من النفوذ في الممرات المائية عبر خليج عُمان وبحر العرب، وكلاهما ذا أهمية استراتيجية هائلة لأمريكا وأمنها القومي. وينشأ الأساس المنطقي الاستراتيجي، الذي يحفز هذا الثلاثي بشكل رئيسي عن المقاومة العنيدة المستمرة، من الرغبة في إجبار الولايات المتحدة على "إعادة ضبط" سياستها تجاهم.

لذلك، وبصورة خاصة في ديسمبر/كانون الأول 2019، قررت روسيا وإيران والصين إجراء مناورات بحرية مشتركة في مياه خليج عُمان وبحر العرب في المحيط الهندي. وفي الوقت الحالي، قد يرى المجتمع الاستراتيجي العالمي أن هذه مجرد إشارة سياسية أخرى من هذه الدول الـ3 للعلاقة العدائية مع الولايات المتحدة. وتنشأ هذه الحجة بشكل أساسي من حقيقة أن روسيا والصين تتمتعان أيضًا بعلاقات جيدة مع السعودية، الحليف القوي للولايات المتحدة، الواقعة في صراع إقليمي كثيف على النفوذ مع إيران. وقد لا يسمح هذا العامل لروسيا والصين بالانتقال إلى ما هو أبعد من مجرد إرسال إشارة سياسية إلى الولايات المتحدة.

وفي هذا السياق، فإن السعودية، التي شعرت بأن نفوذ الولايات المتحدة في المنطقة، وكذلك الضغط الأمريكي على السياسات الداخلية للمملكة، في تراجع، طورت علاقة قوية مع موسكو، بما في ذلك شراء كميات كبيرة من الأسلحة والمعدات الروسية.

ومع ذلك، أعتقد أن ما قد يكون إشارة سياسية في الوقت الحالي ينطوي على إمكانية متأصلة لاكتساب معالم أكثر جوهرية باعتبارها "استراتيجية ثلاثية" قد تولد مخاوف جدية من استمرار التورط العسكري للولايات المتحدة في منطقة الخليج والمحيط الهندي وأفغانستان.

ويسهم التقارب الاستراتيجي بين قوة عظمى سابقة، وهي روسيا، التي تسعى الآن لاستعادة هذا الوضع، وقوة عظمى حالية منافسة، هي الصين، وقوة إقليمية سائدة في الشرق الأوسط، وهي إيران، في الجمع بين هذه الدول الـ3 القوية معًا. وتحتل كل من روسيا وإيران والصين مواقع جيوستراتيجية، وتمارس نفوذا جيوسياسيا كبيرا في المناطق المحيطة بها. وبالتالي، سيكون التأثير الاستراتيجي العام لتقاربهم كبيرا.

وأعادت روسيا في عهد الرئيس "فلاديمير بوتين" دمج نفسها بشكل واضح في الشرق الأوسط كقوة تنافس وجود الولايات المتحدة ونفوذها في المنطقة. وبدأت الصين على الرغم من عدم تواجدها عسكريا في الشرق الأوسط، مثل روسيا في بداياتها، بنشر أسطولها البحري تحت غطاء حماية سفنها التجارية من تهديدات القراصنة الصوماليين في خليج عدن. وتعد إيران القوة الجيوستراتيجية والقوة العسكرية السائدة في هذه المنطقة. وتتمتع إيران بالقوة العسكرية في المنطقة عبر إنتاج دفاعي محلي ملموس يسهّل لها إنتاج الصواريخ والمعدات العسكرية داخل البلاد، إلى جانب برنامج الأسلحة النووية المتصور.

وسيتأثر ميزان القوى في الشرق الأوسط بشكل خطير من خلال الاستراتيجية الثلاثية بين روسيا وإيران والصين إذا ما اتخذت شكلًا جوهريًا؛ لأن الولايات المتحدة، باعتبارها القوة الخارجية المهيمنة بلا منازع في الشرق الأوسط، ليس لديها مطابقة استراتيجية ثلاثية الأطراف لموازنة الاستراتيجية الثلاثية التي نتحدث عنها بين روسيا وإيران والصين.

وبخلاف السعودية ودول الخليج، ليس للولايات المتحدة تحالف ثقيل أو شراكة استراتيجية قوية لتعويض هذا الثالوث في منطقة الخليج. وتقع (إسرائيل) على الحافة الغربية للشرق الأوسط، ولا تضيف المسافة الجغرافية البعيدة عن الخليج الكثير من الأهمية الاستراتيجية للولايات المتحدة.

وابتعدت تركيا، التي كانت في علاقة تحالف قوية مع الولايات المتحدة وحلف شمال الأطلسي "الناتو"، عن المدار الأمريكي الآن. وتتمتع تركيا الآن بعلاقة قوية مع روسيا، وقامت قواتها الجوية في وقت ما بتنفيذ مناورات جوية مشتركة مع روسيا.

لقد كانت طهران قريبة من واشنطن حتى السبعينيات من القرن الماضي؛ حيث عملت القدرات العسكرية الإيرانية منذ ذلك الحين في التأسيس لطهران كقوة سائدة في المنطقة وفي بحر العرب. وتجدر الإشارة أيضًا إلى أن الولايات المتحدة هي التي أرست الأساس لقدرات إيران النووية تحت حكم الشاه. ومع الإطاحة بنظام الشاه عام 1979، على يد ثورة "خامنئي" الإسلامية، وما تبع ذلك من اقتحام السفارة الأمريكية في طهران واتخاذ من فيها رهائن لمدة عام أو نحو ذلك، والعملية العسكرية الأمريكية الفاشلة لإنقاذ الرهائن، تلاشت العلاقات بين الولايات المتحدة وإيران.

وخلال العقود الـ4 الماضية، حاصرت الولايات المتحدة إيران سياسيا واقتصاديا عبر فرض عقوبات صارمة. وأدت شيطنة الولايات المتحدة لإيران، والاعتقاد السائد بأن إيران دولة إرهابية، إلى أن تصبح طهران أكثر تحديًا لواشنطن؛ حيث ساعدت دولٌ مثل روسيا والصين إيران على التحايل على التأثير الكامل للعقوبات الاقتصادية الأمريكية. وعلى الرغم من العقوبات، في ديسمبر/كانون الأول 2019، تبرز إيران كقوة جوهرية كبيرة في الشرق الأوسط ومنطقة الخليج.

جدير بالذكر أن الجهود الأمريكية المستمرة لإحداث تغيير للنظام في إيران، ووضع حكومة موالية للولايات المتحدة في طهران، لم تنجح حتى مع عرض دول مثل باكستان في الماضي استخدام أراضيها المتاخمة لإيران للقيام بعمليات سرية أمريكية.

ويوجد عامل آخر يعمل لصالح إيران، وهو أن حلفاء الولايات المتحدة الأوروبيين، مثل ألمانيا وفرنسا، لا يؤيدون بالكامل سياسة واشنطن المتمثلة في فرض عزلة دبلوماسية كاملة على طهران، وكذلك حال العديد من الدول الآسيوية الكبرى التي تعتمد على إمدادات النفط الإيرانية.

وبالتالي، في هذا السياق، كان ظهور روسيا وإيران والصين في هذا الإطار الثلاثي المعادي للولايات المتحدة نتيجة منطقية.

والسؤال الصريح الذي يطرح نفسه هو هل لدى الولايات المتحدة أي خيارات قابلة للتطبيق لتثبيط نشوء هذا الحلف الثلاثي بين روسيا وإيران والصين، أو على الأقل ألا تسمح لها بالتحول إلى تحالفٍ عسكريٍ متكامل؟ 

حسنًا، لدى الولايات المتحدة خياران قابلان للتطبيق لمواجهة ظهور هذا الحلف الثلاثي، وأي حدث قد يؤدي إلى مزيد من التطور الاستراتيجي لهذا الحلف. ويتركز كلا الخياران على أن تبدي الولايات المتحدة مرونة في سياستها الخارجية الراسخة، التي ترفض معها "إعادة صياغة سياستها تجاه روسيا وإيران".

ويمكن للولايات المتحدة أن تسترجع إيران إلى حظيرتها الاستراتيجية، من خلال تطبيع العلاقات مع طهران إلى مستويات ما قبل عام 1979، مع الاعتراف بأن إيران على الرغم من كل الصعاب التي فرضتها الولايات المتحدة تبرز في ديسمبر/كانون الأول 2019 باعتبارها القوة الإقليمية المهيمنة بشكل طبيعي في منطقة الخليج. كما تمارس إيران اليوم نفوذا كبيرا على الهلال الشيعي في المنطقة الشمالية من الشرق الأوسط.

وبضربة دبلوماسية واحدة، يمكن للولايات المتحدة أن تغير جذريا المشهد الأمني ​​بأكمله في الشرق الأوسط لصالحها. وسيكون العائق المحتمل الوحيد في هذا الخيار هو اعتبارات الولايات المتحدة تجاه (إسرائيل) والسعودية. ومنطقيا، لن يكون لإيران أي مصلحة للبحث عن خيارات تعويضية ضد الولايات المتحدة.

أما الخيار الثاني بالنسبة للولايات المتحدة فهو "إعادة ضبط" سياستها تجاه روسيا بعيدا عن العقلية العدوانية من الحرب الباردة إلى سياسة توفيق متبادل للمصلحة والتعاون في إدارة أنظمة الأمن العالمية، خاصة في المناطق الاستراتيجية الحاسمة في العالم مثل الشرق الأوسط.

وقد حاول الرئيس الأمريكي "دونالد ترامب" إعادة ضبط سياسة الولايات المتحدة في المراحل الأولى من رئاسته، ولكن تم التغلب على مبادرته بسبب صراعات السياسة الداخلية. وكانت إعادة الولايات المتحدة لضبط السياسة تجاه روسيا لتمكن الولايات المتحدة من تركيز كل طاقاتها على تهديد الصين الأكثر قوة في منطقة الإندو-باسيفيك، وبشكل أكثر وضوحًا في غرب المحيط الهادئ حيث تتمتع الصين بالإمكانات والهدف الاستراتيجي لكشف بنية الأمن الأمريكية في المحيط الهادئ.

ومن حيث صراعات القوة العالمية، توجد لدى الولايات المتحدة تجربة مشتركة في إدارة نظام الأمن العالمي مع سلف روسيا، الاتحاد السوفيتي. وتعد روسيا كيانًا يمكن التنبؤ به بما يسمح للولايات المتحدة بإعادة وضع السياسات الخاصة بها. لكن الصين هي قوة عازمة بشدة على الظهور كمنافس للقوة العظمى للولايات المتحدة. وتمتلك الصين في ديسمبر/كانون الأول 2019 القدرة العسكرية والنوايا لتحدي الولايات المتحدة. وبالتالي، تعد الصين كيانًا استراتيجيًا أكثر غموضًا ولا يمكن التنبؤ به بالنسبة للولايات المتحدة.

وفي الختام، في كلتا الحالتين، هذان هما الخياران الوحيدان القابلان للتطبيق بالنسبة للولايات المتحدة لمواجهة ظهور التحالفات الاستراتيجية الكبرى ضدها. وتحتاج الولايات المتحدة إلى هذا الأمر بشكل ملح؛ حيث ظهرت بالفعل مؤشرات على أن الولايات المتحدة دولة آخذة في التراجع.

المصدر | سوباش كابيلا - أوراسيا ريفيو + ترجمة وتحرير الخليج الجديد