الاثنين 6 يناير 2020 08:55 ص

محيط السفارة وساحة التحرير

صراع نفوذ بين واشنطن وطهران في العراق لكن العراقيين يريدون عراقهم لهم وحدهم.

الهجوم على مقر السفارة الأمريكية نهاية ملائمة للعقد المنتهي للتو.

لولا الاحتلال الأمريكي وحلّ الجيش العراقي وتفكيك مؤسسات الدولة ما كان العراق محكوماً من طغمة فاسدة حتى النخاع.

رغم اختلاف حشد ساحة التحرير ببغداد عن حشد محيط السفارة الأمريكية لكن الجميع يتفقون على رفض الوجود الأمريكي.

*     *     *

 الفروق بين طبيعة وغايات الحشود المجتمعة في ساحة التحرير ببغداد وتلك التي تجمعت في محيط السفارة الأمريكية في العاصمة العراقية مختلفة، لكن ما هو مؤكد أن الجميع يتفقون على رفض الوجود الأمريكي في العراق، الذي هو السبب المباشر، وإن لم يكن الوحيد، لما آلت إليه الأوضاع في البلد، فلولا الاحتلال الأمريكي وحلّ الجيش العراقي وتفكيك مؤسسات الدولة ما كان للعراق أن يصبح كما هو عليه اليوم، محكوماً من طغمة غارقة في الفساد حتى النخاع.

لم يفلح الرصاص الحي ومئات القتلى والمختطفين والمغتالين، وآلاف الجرحى غدراً في حمل المعتصمين في ساحة التحرير على مغادرتها. استمروا مرابطين هناك أسبوعاً بعد أسبوع، وشهراً بعد شهر. لم يفلح أيضاً ما جرى في ساحة الوثبة في دفعهم إلى الخروج عن سلمية الاحتجاجات. استقال رئيس الحكومة فلم يغيّر الأمر شيئاً عندهم. خطوة جيدة قالوا، لكنها ليست كافية. لوّح رئيس الجمهورية بالاستقالة، رحبوا بتلويحه لكنهم طالبوا بأن تقترن الأفعال بالأقوال.

لا أحد ولا شيء استطاع أن يحمل المعتصمين هناك على إنهاء اعتصامهم، لا الرصاص ولا مسيلات الدموع ولا الاغتيالات والاختطافات ولا المكائد السياسية.

أمام السفارة الأمريكية الأكبر في العالم، احتشدت أعداد ليست قليلة احتجاجاً على استهداف مواقع لفصائل شاركت في الحرب على تنظيم «داعش» الإرهابي. لم يكن اعتصاماً سلمياً تماماً، قذف المتظاهرون الأحجار وحاولوا اقتحام مبنى السفارة، فيما أطلقت القوات الأمريكية الغاز المسيل للدموع.

بعد يومين أو أكثر قليلاً من الاعتصام انسحب المتظاهرون من محيط السفارة بناء على دعوة قوات الحشد الشعبي لهم. من أمرهم بالاحتشاد فاحتشدوا أمرهم بالانسحاب فانسحبوا.

نحن إزاء عمل «مرتب» و«منسق»، له وظيفة يؤديها. كاميرات الفضائيات لم تعد موجهة نحو ساحة التحرير التي أغرقتها دماء الأبرياء، وتوجهت نحو محيط سفارة البلد المسؤول الأول عن هندسة عراق ما بعد 2003.

تقرير لجوليان برغر في «الغارديان» قال إن الهجوم على مقر السفارة الأمريكية نهاية ملائمة للعقد المنتهي للتو. قال الكاتب أيضاً: «القوات العراقية وصلت في نهاية المطاف لحماية مقر السفارة، واتضح أن السفير في عطلة ولهذا لم يتعرض للمهانة المصاحبة لضرورة الهرب بالطائرة المروحية من أعلى سطح المبنى، ولكن الهجوم أظهر للعيان ضعف الولايات المتحدة بعد إنفاق نحو ملياري دولار في العراق».

تحدّث التقرير، محقاً، عن صراع نفوذ بين واشنطن وطهران في الساحة العراقية. وكان عليه أن يضيف: العراقيون يريدون عراقهم لهم وحدهم.

* د. حسن مدن كاتب صحفي من البحرين

المصدر | الخليج - الشارقة