الثلاثاء 7 يناير 2020 08:27 ص

المنطقة تحتاج إلى الحكمة

هل إيران مستعدة للدخول في مواجهة مع الولايات المتحدة وحلفائها في ظل ضعفها الاقتصادي؟

أم أنها ستلجأ لمعارك وعمليات صغيرة بالعراق وسوريا وفاءًا بوعدها في الرد والانتقام؟ أم أنها ستغامر بدخول مواجهة عسكرية؟

الرد الأمريكي سيكون مؤلماً جداً هذه المرة، إلا إذا سلكت إيران درب الحكمة وتأنت أو نجحت الوساطات التي ستنشط من اليوم فصاعداً.

الأجواء ملبدة بالغيوم وشرارة صغيرة قد تشعل حرباً كبيرة وعلى الأطراف الاحتكام إلى العقل فأي حرب ستكون نتائجها كارثية على البيئة والبشر.

*     *     *

حدث أخيراً ما لم يكن في الحسبان، تم اغتيال قاسم سليماني؛ قائد «فيلق القدس» الإيراني، وأبو مهدي المهندس، نائب رئيس «الحشد الشعبي» العراقي، ومجموعة من الضباط الإيرانيين أصحاب الرتب العليا بأمر من الرئيس الأمريكي دونالد ترامب.

ضربة قد تشعل المنطقة عاجلاً أم آجلاً؛ إذا نفّذ الإيرانيون وحلفاؤهم تهديداتهم. فمع مقتل المذكورين؛ تفجّر الاحتقان الذي كانت تعانيه العلاقة بين البلدين منذ انسحاب الولايات المتحدة الأمريكية من الاتفاق النووي، وفرض عقوبات اقتصادية صارمة وشديدة؛ أدت إلى ضعف الاقتصاد الإيراني.

وإذا ما صدق أمير موسوي؛ الخبير الاستراتيجي في الشؤون الاستراتيجية، بقوله: «إن القرارات التي اتخذها الأمن القومي الإيراني؛ ترمي إلى التعجيل بسحب القوات الأمريكية من المنطقة»؛ وذلك يعني بداية حرب عصابات واستنزاف في العراق ضد الوجود الأمريكي، ما سيزيد من فرص المواجهة الشاملة بين الولايات المتحدة وإيران.

وهذا ما قد يعرّض أمن منطقة الخليج، وربما الشرق الأوسط لهزة غير مسبوقة، وسيزيد المسألة تعقيداً إذا ما استجاب البرلمان العراقي لدعوة نائب رئيسه باتخاذ إجراءات؛ لإنهاء الوجود العسكري الأمريكي في العراق، إضافة إلى دعوة زعيم حزب «الدعوة» العراقي نوري المالكي إلى إعادة النظر في العلاقات مع الإدارة الأمريكية.

وهذه الخطوات، التي ستحتاج إلى وقت لإقرارها ثم تنفيذها؛ ستفتح باب المواجهة مع العراق إلى جانب إيران، وسيصر الأمريكيون على وجود عسكري كثيف هذه المرة، وربما هي فرصتهم؛ لمواجهة السياسات الإيرانية في العراق والمنطقة، وهذا الإصرار يستند على حيثيات كثيرة؛ منها:

* أولاً: لا تزال الولايات المتحدة تنظر إلى العراق كحليف استراتيجي جغرافياً على الرغم من وجود ميليشيات تدين بالولاء لإيران؛ مثل: «الحشد الشعبي»؛ وحزب «الدعوة» وغيرهما.

* ثانياً: تعتقد الولايات المتحدة أن على العراق الاعتراف بالجميل الذي أسدته له؛ حين قضت على نظام صدام حسين، ونشرت «الديمقراطية» في البلاد.

* ثالثاً: من الصعوبة بمكان قيام الجيش الأمريكي أو الوحدات الاستخبارية بالانسحاب من العراق الملاصق لإيران.

* رابعاً: ترى الولايات المتحدة أهمية بالغة لوجودها في العراق؛ كونه يقع على الحدود السورية؛ حيث توجد هناك قوات وقواعد متحركة حتى لو كانت صغيرة، ناهيك عن الحلفاء على الأرض.

*خامساً: لم تطمئن الولايات المتحدة يوماً لسياسات الرئيس التركي رجب طيب أردوغان في سوريا، وازدادت هذه الثقة تآكلاً مع قرار تركيا بإرسال وحدات عسكرية إلى ليبيا.

* سادساً: يشكل العراق منطقة وسطى للوجود الأمريكي بين منطقة الخليج وكل من وسوريا والأردن.

بالتالي سيواجه العراقيون رفضاً مباشراً من الولايات المتحدة؛ للخروج من العراق، لاسيّما بعد ازدياد التوتر بينها وبين إيران؛ إثر قتلها قاسم سليماني والمهندس، وبعد التهديدات التي أطلقتها إيران بأن الرد سيشمل المنطقة بأكملها؛ وتعني القواعد الأمريكية المنتشرة في المنطقة.

ويرى محللون من جهة ثانية أن هذه الضربة المؤثرة ستجبر إيران على التفكير الجاد؛ للدخول في مفاوضات بشأن الاتفاق النووي، الذي تطمح أمريكا من خلاله إلى عدم تحوّل إيران إلى دولة نووية.

السؤال الجوهري الأهم هو: هل إيران مستعدة للدخول في مواجهة مع الولايات المتحدة وحلفائها في ظل ضعفها الاقتصادي؟

أم أنها ستلجأ إلى معارك وعمليات صغيرة في العراق وسوريا؛ لتظهر أنها أوفت بوعدها في الرد والانتقام؟ أم أنها ستغامر في الدخول الفعلي في مواجهة عسكرية؟

نرى أن الرد الأمريكي سيكون مؤلماً جداً هذه المرة، إلا إذا سلكت إيران درب الحكمة وتأنت، أو نجحت الوساطات التي ستنشط من اليوم فصاعداً.

الأجواء ملبدة بالغيوم وشرارة صغيرة قد تشعل حرباً كبيرة، وما على الأطراف سوى الاحتكام إلى العقل، وأي حرب ستكون نتائجها كارثية على البيئة والبشر.

* د. عبد الله السويجي كاتب وأكاديمي من الشارقة

المصدر | الخليج - الشارقة