السبت 11 يناير 2020 01:29 م

انتهت الآن الأزمة الأخيرة التي نشبت بين الولايات المتحدة وإيران. لقد اغتالت الولايات المتحدة جنرالا إيرانيا بارزا، وردت إيران بقصف قاعدتين أمريكيتين في العراق دون خسائر في الأرواح، وتراجع الجانبان عن المزيد من الأعمال العدائية المفتوحة. ويدور النقاش الآن حول من فاز في هذه الجولة من الصراع المستمر منذ 40 عاما.

لقد وجه الأمريكيون ضربة شديدة للإيرانيين، لكن رد إيران في ليلة 7 يناير/كانون الثاني كان دقيقا وذكيا، مما يشير إلى أن طهران أدت بشكل أفضل في لعبة الردع مما قد يرغب "دونالد ترامب" أو مستشاروه، أو كثير من الأمريكيين، في الاعتراف به. وفي الحقيقة، بينما زعم "ترامب" أن الإيرانيين عجزوا عن الرد، ليس من الواضح في هذه المرحلة من كان أكثر ردعا مِن مَن.

خلاصة القول، أدى احتجاج عنيف أمام السفارة الأمريكية في بغداد، الذي أثار ذكريات أمريكية حول احتجاز الرهائن في طهران عام 1979، إلى الضربة الأمريكية التي أسفرت عن مقتل "قاسم سليماني"، قائد "فيلق القدس" التابع للحرس الثوري الإيراني، ما أدى إلى ضربات صاروخية إيرانية على القواعد الأمريكية في العراق.

وكان اغتيال "سليماني" تصعيدا في شكل الصراع الذي تحول من الحملة المستمرة على وكلاء إيران إلى المواجهة المباشرة مع الحكومة الإيرانية. وإذا كان هدف الولايات المتحدة هو ردع الإيرانيين عن دعم الإرهاب والحرب غير النظامية ضد الولايات المتحدة، فإن قتل "سليماني" يمثل خطوة في إدراك إيران للقوة الأمريكية؛ حيث استقبلت طهران رسالة مفادها أن واشنطن سوف تلحق الآن الألم مباشرة بالنظام الإيراني، وأنها سوف تستمر في إلحاقه بها حتى يجري النظام الإيراني تغييرات جوهرية على سياساته.

ويعد التحول من الردع إلى الإلزام خطوة عالية الخطورة. ويدور الردع حول منع السلوك؛ بينما يستهدف الإلزام الإجبار على تغيير السلوك، وهو عمل أكثر صعوبة، لأن الحفاظ على الوضع الراهن من خلال التهديدات أسهل عموما من تغيير الوضع الراهن بالقوة. ويكون الهدف من الإلزام هو إما الامتثال أو استقبال المزيد من الألم في المقابل.

ومع ذلك، اختار الإيرانيون مسارا ثالثا. لقد سلكوا طريقا أضيق، واختاروا ردا موزونا بشكل أكبر بإطلاق صواريخ باليستية ألحقت أضرارا بالقواعد الأمريكية، لكنها تجنبت وقوع خسائر بشرية. وبذلك، حقق الإيرانيون عدة أهداف.

أولا، لقد استوفوا الحاجة المحلية الملحة للرد الفوري. ولم يكن من الممكن للإيرانيين أن يختاروا عملا سريا أو بالوكالة كرد فعل على قتل شخص بارز مثل "سليماني". وكان عليهم أن يثبتوا للمواطنين الموالين أنهم قادرون على الرد، وللمواطنين المعارضين أنهم لا يخشون الأمريكيين.

ثانيا، أظهرت إيران أنها على استعداد لإحداث تغييرات في قواعد اللعبة. وكما قال وزير الدفاع الأمريكي الأسبق "ليون بانيتا"، في لقاء مع الصحافة، في اليوم التالي للضربات الإيرانية، فإن إدارة "أوباما" لم تفكر أبدا في قتل "سليماني"، لأن العائد لم يكن يستحق المجازفة بخطر الحرب. وبالمثل، تجنبت إيران استخدام الصواريخ الباليستية ضد أي دولة أخرى منذ الحرب العراقية الإيرانية.

وأظهر الأمريكيون أنهم على استعداد لقتل كبار القادة الإيرانيين. وفي المقابل، أظهر الإيرانيون أنهم على استعداد لاستخدام الصواريخ الباليستية، وأنه في المرة القادمة قد لا يكون هدفهم خاليا من البشر.

ثالثا، كانت الضربات إشارة إلى العراق وإلى دول أخرى في المنطقة، أن الارتباط بالأمريكيين لا يمنحها الحصانة. وفي الواقع، لقد أثبت الإيرانيون أن التحالف مع الولايات المتحدة يشكل خطرا بحد ذاته.

والنقطة ذات الصلة هنا هي أن إيران تجنبت بحكمة إلحاق خسائر في الأرواح بين صفوف القوات الأمريكية، الأمر الذي كان سيوحِّد حتى الأمريكيين المتشككين من"ترامب"، بشأن ما أجبره على قتل "سليماني". ويدعي رئيس هيئة الأركان المشتركة، الجنرال "مارك ميلي"، أن الإيرانيين كانوا يعتزمون إلحاق إصابات في صفوف القوات. لكن هذا أمر يصعب تصديقه، بالنظر إلى نمط الضرر، ويتناقض مع مصادر أخرى في الإدارة.

وأخيرا، بدلا من إلحاق إصابات بشرية، أعطى الإيرانيون الأمريكيين طريقا معقولا للخروج من الأزمة التي أحدثها "ترامب". ولقد أوضحوا وجهة نظرهم، ثم أشاروا إلى صانعي القرار الأمريكيين، أو على الأقل لأولئك الذين يفهمون كيفية قراءة هذه الإشارات، بأنهم على استعداد للسماح للموقف بالانتهاء عند هذا الحد.

ومن الواضح أن هذا كان في مصلحة إيران. فمن شأن التصعيد حتى الوصول للحرب الشاملة أن يؤدي إلى خسارة إيرانية كبيرة، إذا كنا نعني "بالخسارة" خسائر أكبر قبل إنهاء الأعمال العدائية. لكن طهران كانت تراهن على أنه في غياب قتلى في صفوف الأمريكيين، فإن واشنطن لا تملك القدرة أو المبرر لخوض معركة أكبر، وكانت على حق في ذلك.

في النهاية، بعد التصعيد الأمريكي بقتل "سليماني"، نجح الإيرانيون في مهمة استعادة مصداقيتهم كمعارض عسكري للولايات المتحدة، وتجنبوا في نفس الوقت المزيد من الإجراءات الأمريكية. من هنا، يمكننا القول إن الولايات المتحدة فشلت في عملية "الإلزام"؛ بينما نجحت المحاولة الإيرانية لاستعادة "الردع".

المصدر | توم نيكولز/ ذا أتلانتيك - ترجمة وتحرير الخليج الجديد