الاثنين 13 يناير 2020 05:31 ص

التفاوض وضمان عدم التصعيد

يمكن لإيران كخطوة أولى تجميد إجراءات خفض الالتزامات، لتُقابَل أميركياً بتخفيف القيود على تصدير النفط.

أي مبادرة بريطانية أو فرنسية يتوقف نجاحها على استعداد واشنطن وطهران للتعاون وأن تتحرّك مواقفهما خارج جمودها الحالي.

بريطانيا تريد القيام بدور جديد بالتنسيق مع واشنطن التي تؤيّد مبادرات تسهيل التفاوض فهذا يبقى أكثر أماناً لترامب في استحقاقاته الداخلية المقبلة.

*     *     *

لا بد من إيجاد صيغة لإطلاق مفاوضات قبل أن تتجمّع نُذُر تصعيد آخر قد لا يكون قابلاً للاحتواء ثانيةً، كما حصل في الأيام الأخيرة، إذ أن 2020 بدأت ساخنة وباتت تعتبر «سنة كل المخاطر».

فمن خصائصها البارزة أنها صعبة وحاسمة لكلٍّ من طرفَي الأزمة: بالنسبة للرئيس الأميركي هي أولاً سنة إعادة انتخابه لولاية ثانية بكل صراعاتها الداخلية، لكنها أيضاً سنة ظهور معالم نجاح سياسة العقوبات والضغوط القصوى، رغم أن خصومه في الداخل والخارج حكموا عليها بالفشل، طالما أن إيران لم ترضخ ولا تزال متمسّكة بشروطها للتفاوض. وبالنسبة للنظام الإيراني يبدو التفاوض تحت وطأة العقوبات مستبعد، وهذا النظام يريد إفشال دونالد ترامب وإخراجه من البيت الأبيض.

كان هاجس الإفشال هذا دفع ترامب إلى المجازفة الكبرى باغتيال قاسم سليماني، أي أنه لن يعترف بأي خطوط حمر بعد الآن. وبدورها أبلغت طهران أن هدفها بات إخراج الولايات المتحدة وقواتها ليس من العراق فحسب بل من المنطقة برمّتها. أي أن جنودها لن يكونوا بأمان في أي مكان.

لا تزال الأطراف المعنية حول العالم تترقّب لترى أولاً ما إذا كانت هناك «ضوابط» أمكن التوصّل إليها عبر الوسطاء، وثانياً ما إذا كانت مساعي التفاوض حقّقت بعض التقدّم.

في غياب هذين الشرطين يبقى الوضع تحت رحمة أي توتير محتمل. وإذ يعتبر خبراء أن انحسار اعتداءات «الحشد الشعبي» على القواعد العسكرية التي تستضيف قوات أميركية قد يشكّل أحد الضوابط المطلوبة.

إلا أنهم لم يروا جديداً يتعلّق بالتفاوض رغم المعلومات التي أفادت بأن بلوغ التصعيد ذروته أقنع الطرفين بوجوب التفاوض لاحتواء أي تطورات لاحقة قد تخرج عن السيطرة.

على العكس لم تختلف إشارة ترامب إلى المفاوضات عما كرّره سابقاً، والفارق هذه المرّة أن شعوره بسخونة الأزمة التي تجاوزها لتوّه شجّعه على دعوة الدول الخمس الأخرى إلى الانسحاب من الاتفاق النووي للشروع في مفاوضات جديدة.

ولا شيء في سلوك تلك الدول، خصوصاً روسيا والصين، يشي بأنها في صدد اتخاذ خطوة كهذه، لكن بريطانيا وفرنسا وألمانيا باتت أكثر ارتباكاً بعدما أعلنت إيران خطوتها الخامسة لخفض التزاماتها بموجب الاتفاق.

وهي عدم التقيّد بالعدد المحدّد لأجهزة الطرد المركزي في عملية تخصيب اليورانيوم. كانت النقطة المتعلّقة بهذه الأجهزة استغرقت وقتاً طويلاً في مفاوضات 2015.

منذ بدء أزمة الاتفاق النووي والعقوبات التي نجمت عنها لم تبدِ روسيا والصين اهتماماً خاصاً بالتوسّط أو المعالجة، معتبرتين أن الاتفاق قائم رغم الانسحاب الأميركي منه.

أما الدول الأوروبية الثلاث فلم تخفِ انزعاجها من الانسحاب الأميركي رغم تأييدها للمآخذ الأميركية الرئيسية على الاتفاق، ولئلا تنسحب إيران منه حاول الأوروبيون إيجاد صيغة لتعويضها بعض خسائرها لكن العقوبات الأميركية حالت دون تفعيلها.

حالياً يتخبط الأوروبيون في مواقفهم بين تجديد عقوباتهم التي تواصل إضعاف الاتفاق وبين عجزهم عن إحياء المفاوضات.

كان اللافت أخيراً أن بريطانيا بوريس جونسون تريد أن تبني على دروس التصعيد الأخير، وربما تقوم بدور جديد بالتنسيق مع واشنطن التي باتت تؤيّد أي مبادرة لتسهيل التفاوض، فهذا يبقى أكثر أماناً لترامب في استحقاقاته الداخلية المقبلة.

لكن أي مبادرة، بريطانية أو فرنسية، يتوقف نجاحها على استعداد واشنطن وطهران للتعاون، وهذا يفترض أن تتحرّك مواقفهما خارج جمودها الحالي.

يمكن لإيران مثلاً، كخطوة أولى، أن تجمّد إجراءات خفض الالتزامات، لتُقابَل أميركياً بتخفيف القيود على تصدير النفط، وقد تتبع ذلك خطوات أخرى لإثبات «تغيير السلوك» إيرانياً لتلاقي استجابات أميركية... كلّ ذلك يبقى مجرد أفكار ورهانات.

* عبد الوهاب بدرخان كاتب صجفي  لبناني

المصدر | الاتحاد الظبيانية