الاثنين 13 يناير 2020 02:44 م

إلام يشير قيام السلطات في ماليزيا، بشكل رسمي، بنشر مكالمة احتوت على دلائل على اتهامات بالفساد بين رئيس وزراء البلاد السابق "نجيب عبدالرازق" وولي عهد أبوظبي "محمد بن زايد"؟

سؤال طرحه العديد من المراقبين بعدما أذاعت هيئة مكافحة الفساد الماليزية، الخميس الماضي، نص المكالمة التي أجريت عام 2016، رغم ما يترتب على ذلك من أضرار متوقعة على العلاقات بين كوالالمبور وأبوظبي.

وتعود فصول الفضيحة إلى مشاكل ديون واجهها صندوق الاستثمار الماليزي (1MDB)، أوائل عام 2015، ووصفها المحققون بأنها واحدة من أكبر عمليات الاحتيال المالي في التاريخ، ليكشف مكتب المدعي العام السويسري، في أبريل/نيسان 2016، أن سلطات البلاد وسعت تحقيقاً جنائيا بشأن الصندوق ليشمل اثنين من المسؤولين السابقين في صناديق سيادية في أبوظبي؛ بتهم شملت النصب والاختلاس والفساد والتزوير.

واتهم الادعاء "عبدالرازق" بتحويل أكثر من 700 مليون دولار من صندوق الثروة الماليزي إلى حساباته المصرفية الشخصية، في وقت أعلن البرلمان الماليزي عن وجود حوالي 4.2 مليار دولار من المعاملات غير القانونية تتعلق بالصندوق ذاته.

وفي عام 2017، كشفت صحيفة "وول ستريت جورنال" عن وثائق محاكمات وتحقيقات تتعلق بدور سفير الإمارات لدى واشنطن "يوسف العتيبة" في الفضيحة، من خلال شركات مرتبطة به تلقت ملايين الدولارات من شركات خارجية، يقول المحققون في الولايات المتحدة وسنغافورة إن أموالها اختُلست من الصندوق الماليزي.

وسلطت رسائل بريد إلكتروني لـ "العتيبة"، سربتها الصحيفة الأمريكية، الضوء على لقاءات بين "شاهر عورتاني"، وهو شريك تجاري لـ"العتيبة" في أبوظبي، و"جو لو" الممول الماليزي الذي تقول وزارة العدل الأمريكية إنه المتآمر الرئيسي في عملية الاحتيال.

ونتيجة لذلك، وجهت محكمة ماليزية 4 اتهامات لرئيس الوزراء السابق، 3 منها تتعلق بخيانة الأمانة والرابعة تتعلق بسوء استغلال السلطة، وهي الاتهامات التي تصل عقوبتها إلى السجن لما يصل إلى 20 عاما، وغرامة لا تقل عن 5 أمثال قيمة الأموال المختلسة من الصندوق الماليزي.

توقيت حساس

ويعد توقيت الكشف الماليزي عن نص مكالمة "عبدالرازق" و"بن زايد"، التي قبل فيها الثاني طلب الأول بالتغطية على عملية التحويلات المالية لحسابه باعتبارها "هبة إماراتية" وألح من أجل تدخل ولي عهد أبوظبي لإنقاذ ابن زوجته من قضية تورط بها مع وزارة العدل الأمريكية، يعد التوقيت ذي دلالة مهمة، ولا يمكن فصله بحال عن موقف الإمارات والسعودية من قمة كوالالمبور الإسلامية الأخيرة.

 

 

فمحور "الرياض - أبوظبي"، الذي تحول إلى حلف استراتيجي خلال السنوات الماضية، اعتبر الاجتماع الذي دعا إليه رئيس الوزراء الماليزي الحالي "مهاتير محمد" بمثابة "قمة ضرار" بحسب توصيف "رامي الخليفة العلي" الكاتب بصحيفة عكاظ السعودية (محلية)، الذي زعم أن ماليزيا وتركيا تهدفان من وراء القمة إلى تشكيل إطار مواز لمنظمة التعاون الإسلامي.

وقد اعتمدت وسائل الإعلام السعودية والإماراتية هذا التوصيف، في إطار حملة ضغوط وتشويه لم تأبه لها ماليزيا، التي أصرت على استضافة القمة، بمشاركة تركيا وقطر وإيران، وذلك بهدف تسليط الضوء على مشاكل العالم الإسلامي وإيجاد حلول لها.

ومع حضور العديد من الشخصيات المناهضة للسياسة السعودية والإماراتية بالمنطقة للقمة، بينها قيادات من حركة "حماس" الفلسطينية على رأسها الرئيس السابق للمكتب السياسي لحركة "حماس"، "خالد مشعل"، بات واضحا أن مواقف رئيس الوزراء الماليزي "مهاتير محمد" باتت أقرب إلى مواقف وانحيازات معسكر "تركيا - قطر" في مواجهة محور الاستبداد والثورات المضادة الذي تقوده السعودية والإمارات.

وبذلك، يبدو أن صراع المحاور في دول الخليج والشرق الأوسط آخذ في الانتقال إلى جنوب شرق آسيا، خاصة بعدما خضعت دول أخرى بينها إندونيسيا وباكستان للضغوط السعودية واعتذرت عن حضور قمة كوالالمبور.

ضغوط سعودية

وتعد الضغوط السعودية والإماراتية المضار إليها اقتصادية بالأساس، خاصة في ظل حديث تقارير غربية عن عملية إفساد ممنهجة أدارها ولي عهد أبوظبي "محمد بن زايد" لنموذج ماليزيا الإسلامي المعتدل والصاعد اقتصاديا، بالتعاون مع رئيس الوزراء السابق "عبدالرزاق"، قبل أن يعود "مهاتير محمد"، الذي ترك منصبه كرئيس للوزراء بعد 22 عاماً من العمل، إلى عالم السياسة مجددا عام 2018 لإعادة ضبط البوصلة السياسية للبلاد.

ويظهر تسريب مكالمة "بن زايد" و"عبدالرازق"، كان الأخير كان شديد الحذر من الحديث حول التفاصيل عبر الهاتف، ما قدم مؤشرا للمراقبين على أن "الدولة العميقة" في ماليزيا كانت رافضة لسلوك رئيس الوزراء السابق وعلاقاته المشبوهة مع المسؤولين الإماراتيين.

من هنا جاء تحذير "عبدالرازق" من إذاعة نص المكالمة لدى تسريب محتواها بالصحافة الماليزية، مشددا على أن فضحها من شأنه الإضرار بالعلاقات الدبلوماسية والمصالح الوطنية، وتساءل عن قانونية التجسس على رئيس وزراء أثناء وجوده في السلطة وسر توقيت الكشف عنها.

ويتنحية سؤال القانونية جانبا، من الواضح أن التوقيت يرتبط بوصول العلاقة بين "مهاتير" وبين محور "السعودية - الإمارات" إلى ذروة الصدام خلف الكواليس، صدام ظهر في تصريحات "لطيفة كويا"، رئيسة هيئة مكافحة الفساد الماليزية، للمراسلين الصحفيين، الخميس الماضي التي أكدت خلالها أن "الهيئة تحققت من التسجيلات وتضمن صحتها وأصالتها".

بالتزامن مع ذلك، يسعى "مهاتير محمد" لتحصين بلاده من الضغوط الاقتصادية التي تفرضها السعودية والإمارات عبر تنويع الشراكات الاقتصادية لبلاده مع الدول غير الخاضعة لنفوذ الرياض وأبوظبي، ولذا بدت ماليزيا على وجه التحديد عصية على سياسات التركيع الاقتصادي.

وفي هذا السياق، كشفت كوالالمبور، الشهر الجاري، أن احتياطي الغاز الطبيعي الذي كشفته شركة "كوفبيك" يقدر بنحو 4 تريليونات قدم مكعبة.

و"كوفبيك" هي الشركة الكويتية للاستكشافات البترولية الخارجية، التي تتولى أنشطة التنقيب عن الغاز الطبيعي في ماليزيا، ويشير الكشف الأخير أن ماليزيا تقترب من تحقيق إنجاز مهم على صعيد اكتشافات الغاز بالتعاون مع الدول غير المحسوبة على المحور السعودي الإماراتي.

لعبة المحاور

 وفي المقابل، أعلن رئيس إندونيسيا "جوكو ويدودو"، عبر حسابه على "تويتر"، الإثنين، أن إندونيسيا وقعت 11 اتفاقية في مجال الأعمال مع دولة الإمارات العربية المتحدة تبلغ قيمتها مجتمعة 314.9 تريليون روبية (23 مليار دولار) تشمل الاستثمار في الطاقة وقطاعات أخرى.

وشهد "ويدودو" توقيع الاتفاقيات مع ولي عهد أبوظبي الشيخ "محمد بن زايد" مطلع الأسبوع خلال زيارة رسمية إلى أبوظبي.

 

 

فيما قال "لوهوت بانجيتان" وزير التنسيق الإندونيسي للشؤون البحرية والاستثمار إن "ويدودو" و"بن زايد" ناقشا أيضا خطة لإنشاء "صندوق للثروة السيادية" سيكون بوسع دولة الإمارات استخدامه للاستثمار في تطوير العاصمة الإندونيسية الجديدة المقترحة في إقليم كاليمانتان الشرقية أو جزيرة بورنيو.

وبينما تشير تقارير غربية إلى علامات لتهدئة التوتر مؤخرا بين محور "السعودية - الإمارات" من جانب ومحور "تركيا - قطر" من جانب آخر، تؤشر الوقائع على الأرض إلى أن أقصى ما يمكن توقعه في هذا الصدد هو انتقال العلاقة بين المحورين من المواجهة العلنية المباشرة إلى الحرب الباردة.

وقد بدا هذا واضحا في تعليق رئيس وزراء ماليزيا "مهاتير محمد" على حادثة اغتيال الولايات المتحدة لقائد فيلق القدس بالحرس الثوري الإيراني "قاسم سليماني"، إذ وصفه بأنه عمل "غير أخلاقي"، وبأنه "يتنافى مع القانون الدولي"، لكن التعليق الأهم في هذا الصدد هو تشبيهه لاغتيال القائد الإيراني بعملية اغتيال الصحفي السعودي "جمال خاشقجي" في القنصلية السعودية في إسطنبول.

نفي إماراتي

وفي المقابل، جاء الرد الإماراتي على تسريب مكالمة "بن زايد" و"عبدالرازق" في صورة هجوم مكثف على شخص "مهاتير محمد" و"قمة كوالالمبور" من ناحية، والتنصل من أي علاقة مشبوهة مع "عبدالرازق"، الذي تعاطت معه وسائل الإعلام المممولة من أبوظبي باعتباره بطاقة محروقة، من ناحية أخرى.

ورغم موافقة "بن زايد" الواضحة في نص المكالمة المسلجة على عرض "عبدالرازق" للتغطية على عملية غسيل الأموال، زعم موقع "إرم نيوز" الإماراتي أن ولي عهد أبوظبي نأى بنفسه عن الموضوع باعتباره "قضية فنية"، واتهم الإعلام القطري والتركي ومنابر الإخوان المسلمين الإعلامية بشن جديدة تستهدف الإمارات وشخص "بن زايد".

واتهم الموقع الإماراتي "مهاتير محمد" بمواصلة ممارسة توظيف التنصت لتصفية حساباته السياسية مع معارضيه، كما فعل سابقا مع نائبه "أنور محمد" عام 1998، وسخر الموقع الإماراتي من المكالمة المسربة بين "بن زايد" و"عبدالرازق" واعتبرها مثالا تجريبيا لمشروع إقامة وكالة أنباء إسلامية، الذي جرى بحثه في قمة كوالالمبور في 19 ديسمبر/كانون الأول الماضي.

وبينما تجري محاولات "تسكين" الأزمة الخليجية، يبدو أن تداعيات الأزمة تتجاوز محاولات الاحتواء بعد دخول الدول الإسلامية في جنوب شرق آسيا رسميا إلى قلب المعترك السياسي في الشرق الأوسط.

المصدر | الخليج الجديد