الثلاثاء 14 يناير 2020 11:10 ص

بعدما أعلن طرفا النزاع في ليبيا وقفا لإطلاق النار اعتبارا من أمس الإثنين الموافق 12 يناير/كانون الثاني، بناء على مبادرة روسية تركية، رفض الجنرال الليبي المتقاعد "خليفة حفتر" التوقيع على اتفاق تثبيت الهدنة في موسكو، وغادر إلى بنغازي، شرقي ليبيا، حيث تتمركز قواته.

وأثار قبول "حفتر" للتفاوض وإعلان وقف إطلاق النار من جانب، ورفضه توقيع الاتفاق ومغادرته موسكو من جانب آخر، تساؤلات لدى مراقبي الشأن الليبي حول أسباب موافقة "حفتر" على إعلان وقف إطلاق النار، ثم عودته ورفضه توقيع اتفاق تثبيت الهدنة.

ويعود مفتاح إجابة التساؤل الأول إلى موسكو، التي يبدو أنها مارست ضغوطا على "حفتر" لقبول وفق إطلاق النار، رغم التقارير الغربية التي تؤكد تأييد موسكو للجنرال الليبي سياسيا وميدانيا.

وقد ظهر هذا الضغط فيما يبدو في إعلان الرئيس الروسي "فلاديمير بوتين" أن المرتزقة الروس، الذين يدعمون قوات "حفتر" في ليبيا، لا علاقة لهم بموسكو ولا يمثلونها رسميا، ما يعني رفع الغطاء الرسمي على تواجدهم في الأراضي الليبية، وجاءت هذه التصريحات في أعقاب لقاء "بوتين" الأخير مع نظيره التركي "رجب طيب أردوغان".

وتفيد التقارير إلى أن اللقاء أقر صيغة توافق تركية روسية للتسوية في ليبيا، على أن يتحرك كل طرف لإقناع حليفه المحلي بها، الأتراك مع حكومة الوفاق، والروس مع "حفتر".

وتواكب ذلك مع انسحاب ميداني للمرتزقة الروس من ساحة القتال الليبية، حسبما أعلن آمر قوة الإسناد التابعة لحكومة الوفاق الليبية "ناصر عمار".

وذكر "عمار" أن العديد من عناصر قوات مرتزقة "فاجنر" الروسية انسحبوا فعلا من ليبيا، حسبما نقلت وكالة الأناضول، مشيرا إلى أن هذا الانسحاب جرى بعد اللقاء الأخير بين الرئيس الروسي "فلاديمير بوتين" ونظيره التركي "رجب طيب أردوغان".

وبحسب إفادة القائد العسكري الليبي فإن مروحيات عمودية رصدت نقل قوات المرتزقة الروس إلى قاعدة الجفرة الجوية، مشيرا إلى أن الكثير من قوات "فاجنر" انسحبت فعلا والقوات الباقية تتولى مهمة حماية الانسحاب فقط.

ويمثل هؤلاء المرتزقة أحد المرتكزات الأساسية لعمليات جيش الجنرال الليبي المتقاعد، بحسب المحلل السياسي "عبدالسلام الراجحي"، الذي نوه إلى دور قوات المرتزقة في تمكين "حفتر" من التقدم نحو العاصمة الليبية طرابلس.

ومع توالي التقارير بشأن إرسال أنقرة قوات لدعم حكومة الوفاق الليبية، قالت إنها لعرض التدريب، تضاعفت الدوافع الميدانية باتجاه قبول "حفتر" لاتفاق وقف إطلاق النار.

وفي هذا الشأن أكد "عمار" أن التحرك التركي جاد، مضيفا: "رأينا ولمسنا مصداقية أردوغان، ورحبنا ببعض الخبراء والفنيين القادمين من تركيا".

ضغوط إماراتية

أما عن أسباب تراجع "حفتر" عن توقيع اتفاق تثبيت الهدنة، فتفيد مصادر مطلعة أن "حفتر" تراجع وغادر موسكو دون توقيع اتفاق تثبيت الهدنة على خلفية ضغوط إماراتية تتمحور بالأساس حول الموقف من التشكيلات المسلحة في طرابلس من جانب، وإشراف تركيا على وقف إطلاق النار من جانب آخر.

وبحسب المصادر فإن "حفتر" شدد على أنه لن يوقع الاتفاق "ما لم يتم وضع جدول زمني لإنهاء وحل التشكيلات المسلحة الموالية لحكومة الوفاق"، والتي تتهمها الإمارات بأنها جماعات متطرفة وحركات إرهابية، وفقا لما نقلته وكالة "سبوتنيك" الروسية.

وعزت مصادر أخرى عدم توقيع "حفتر" على اتفاق وقف إطلاق النار إلى رفضه أي دور تركي للإشراف على وقف إطلاق النار في ليبيا، وفقا لما نقلته قناة "العربية".

لكن "الراجحي" يشير إلى عامل ثالث "داخلي" ربما يكون أسهم في دفع الجنرال الليبي للتراجع عن توقيع اتفاق وقف إطلاق النار، وهو أن إعلان اقتراب الجنرال الليبي المتقاعد من قبول الاتفاق فاجأ حتى بعض الميليشيات المتحالفة معه والتي تدين بالولاء للزعيم الليبي السابق "معمر القذافي"، والتي أعلنت رفضها الانصياع لقرار التهدئة.

وفي السياق، أفادت مصادر شبكة "سكاي نيوز عربية" بأن تلك الميليشيات مصرة على على دخول العاصمة طرابلس.

ما بعد التراجع

وإزاء هذه التطورات، يبدو أن "حفتر" يسعى في الوقت الحالي إلى تسكين الوضع على ما هو عليه ميدانيا في ليبيا، خاصة في ظل إصرار ممثلي حكومة الوفاق على رفض لقاء الجنرال الليبي المتقاعد، وهو ما أكد عليه "خالد المشري"، رئيس المجلس الأعلى للدولة الليبي (استشاري)، في تصريح تليفزيوني، قائلا: "رفضنا أي لقاء مع حفتر، ولن نجلس معه تحت أي ظرف، ومفاوضاتنا تتم مع أصدقائنا الأتراك والروس".

على المستوى السياسي، من شأن هذا التراجع أن يزيد من الضغوط الدولية على "حفتر" خاصة في ظل تخلي إيطاليا عن تحفظها إزاء انفراد تركيا بمعالجة الوضع الليبي وإعلانها تأييد صيغة التشارك بين أنقرة وموسكو في حل الأزمة، إضافة إلى فشل قوات الجنرال الليبي المتقاعد في تحقيق حسم في العاصمة طرابلس منذ شن هجومه عليها في 4 أبريل/نيسان الماضي.

وفي هذا الإطار، أشار رئيس الوزراء الإيطالي "جوزيبي كونتي"، في مؤتمر صحفي مشترك مع الرئيس التركي "رجب طيب أردوغان"، أمس الإثنين، إلى أن الاتفاق التركي الروسي بشأن ليبيا، الذي تم الأربعاء الماضي في إسطنبول، "مكن من تحقيق تهدئة" معربا عن أمله في أن يشكل ذلك أرضية لسلام دائم.

وبإضافة إعلان سفارات كل من الولايات المتحدة وفرنسا وألمانيا وإيطاليا وبريطانيا وبعثة الاتحاد الأوروبي لدى ليبيا ترحيبها بموافقة أطراف القتال الليبي على وقف إطلاق النار، يمكن استنتاج مستوى الضغط الدولي الذي يمكن أن يواجهه "حفتر" في حال إصراره على عدم توقيع الاتفاق.

ومن شأن هذه الضغوط أن تضعف موقف الجنرال المتقاعد في المؤتمر الدولي المزمع بشأن ليبيا في برلين يوم 19 يناير/كانون الثاني الجاري، وفق آخر ترجيح أعلنه المتحدث باسم الحكومة الألمانية "شتيفن زايبرت".

ويفترض أن تشارك في هذا المؤتمر 11 دولة على الأقل هي الدول الخمس الدائمة العضوية في مجلس الأمن الدولي، إضافة إلى ألمانيا وتركيا وإيطاليا ومصر والإمارات والجزائر.

ولذا يتوقع الخبير في المجلس الروسي للعلاقات الدولية "نيكولاي سوركوف" أن يضطر "حفتر" إلى التفاوض مجددا خاصة في ظل رصد موسكو لـ"ضعف جيشه وعجزه عن مقارعة قوات مصراته الموالية لحكومة الوفاق"، وفقا لما نقلته قناة "الجزيرة".

واعتبر "سوركوف" أن "حفتر" مجبر على التفاوض للتوصل إلى حل، خاصة مع إدراكه انعدام رغبة مصر في الانخراط بحرب ضد تركيا، مضيفا: "عاجلا أو آجلا ستؤول الأمور إلى تسوية بين مختلف الأطراف، وروسيا ستمنع أي تصعيد للنزاع".

المصدر | الخليج الجديد + متابعات