الأربعاء 15 يناير 2020 07:44 ص

النظام السوري من الداخل

احتراب الموالين لإيران وروسيا خلال معاركهم ضد الثوار تقابله وحدة قيادة الثوار ممثلة بغرفة «الفتح المبين».

بمقدار استمرار النظام سيكون ضرر رحيله على المنطقة مع إصرار شعبي سوري على المضي قدماً بالثورة رغم كل التكلفة.

حراكات العراق ولبنان وإيران حيث خزان النظام الميليشياوي ودعمه العسكري والسياسي والمالي والدبلوماسي سيزيد تعفّنه وتفسّخه.

تفسخ اقتصادي داخل النظام السوري بانهيار العملة وغلاء الأسعار وعودة الحراك بدرعا وتململ الجزيرة السورية تزيد أعباء النظام وأسياده.

*     *     *

يتكشف يوماً بعد يوم حجم العفن والتفسّخ الذي تراكم -ولا يزال يتراكم- منذ بداية الثورة، هذا العفن الذي لن يكون ضرره وسلبياته وتداعياته على سوريا والسوريين وإنما على المنطقة، وربما العالم كله، ما دام العالم كله مرتبطاً ببعضه، ومصالحه وأخطاره يأخذ بعضها برقاب بعض، لا يمكن فصل بلد عن بلد ولا منطقة عن أخرى.

على الصعيد العسكري، يعاني النظام السوري نقصاً حاداً في وفرة القيادات والقوات المقاتلة على الأرض، بعد النزيف المتواصل لتسع سنوات استنزف قيادات أمنية وعسكرية للنظام، ولا يزال.

ورغم النقص الذي سعى النظام إلى تعويضه بجلب عصابات طائفية وميليشيات عابرة للحدود، فضلاً عن احتلالات متعددة؛ لا يزال النظام السوري يعاني لا سيّما مع رحيل معظم قياداته العسكرية والأمنية التي أرعبت السوريين لعقود.

وحتى الشخصية الأخيرة العسكرية التي تبقّت للنظام، وهو سهيل النمر الذي يقود ما تُسمى بـ «قوات النمر» الموالية لروسيا، يشكك الكثيرون في وجودها أصلاً، ويتحدثون عن أنها البديل عن سهيل الحقيقي الذي قُتل قبل فترة ليست قصيرة.

قوات النظام السوري تفرّق ولاءها بين الروس والإيرانيين؛ فـ«قوات النمر» تابعة للقوات الروسية، بينما «قوات الفرقة الرابعة» و»الحرس الجمهوري» تابعة للقوات الإيرانية.

وقد عانت الأخيرة فضائح عسكرية متراكمة أخيراً بالفشل الذريع الذي مُنيت به في جبهة كبينة على الساحل السوري؛ إذ إنها لأشهر تحاول يومياً اقتحام المنطقة بعد أن وصل عدد الاقتحامات أكثر من ثلاثة وأربعة اقتحامات يومياً، لكنها لم تحرز أيّ تقدم؛ ما دفع القوات الروسية إلى نقلها إلى منطقة حلب.

الأهم من هذا وذاك هو تحوّل قوات النظام السوري في اعتمادها في تمويلها على اقتصاد الحروب والمعابر، وهو ما ضرب تراتبية القيادة العسكرية وشتّت معه القرار العسكري وحتى ربما الولاء، وضرب معه الاقتصاد السوري، وخلق اقتصادَ ظلٍّ واقتصاداً سرياً تحت الأرض، يدفع ثمنه التجار الحقيقيون والشعب السوري بشكل.

فمثلاً التاجر الذي يستورد بضائعه عبر ميناء طرطوس اليوم، لا يستطيع أن ينافس البضائع التي تأتي بها قوات الفرقة الرابعة والحرس الجمهوري من تركيا عبر معابرها الخالية من الجمارك المفروضة على التاجر الذي يأتي ببضائعه من طرطوس، وهو ما يعني انتعاشاً ورواجاً لبضائع الفرقة الرابعة وكساداً للتاجر الحقيقي الذي يجلب بضائعه عبر الموانئ «الشرعية».

الاحتراب بين الموالين لإيران والموالين لروسيا في المعارك التي يخوضونها ضد الثوار، تقابله وحدة في قيادة الثوار اليوم، ممثلة بغرفة «الفتح المبين»، والتي تتواصل منذ عامين تقريباً. ولعلّ مقتل قاسم سليماني -قائد «فيلق القدس»- سيلقي بظلاله وتداعياته على الميليشيات الطائفية التابعة له، والتي تدين في الغالب لشخصه بالولاء؛ كونها تفتقر إلى الولاء المؤسساتي كحال الكتائب والفرق النظامية.

التفسخ الاقتصادي الحاصل داخل النظام السوري؛ من انهيار العملة وغلاء الأسعار، بالإضافة إلى عودة الحراك من جديد إلى درعا وتململ في الجزيرة السورية، كلها أمور تزيد الأعباء على النظام ومؤيديه وأسياده.

والأهم من ذاك كله هو الحراك الذي يجري في العراق ولبنان وإيران، وهي الدول التي تشكّل خزانه الميليشياوي وخزان دعمه العسكري والسياسي والمالي والدبلوماسي؛ الأمر الذي سيزيد من تعفّنه وتفسّخه، مما سينعكس سلباً على المنطقة والعالم كله.

وبمقدار استمرارية بقاء النظام سيكون ضرر رحيله على المنطقة -وربما العالم- في ظل إصرار شعبي سوري على المضي قدماً بالثورة رغم كل هذه التكلفة.

* د. أحمد موفق زيدان كاتب صحفي وإعلامي سوري

المصدر | العرب القطرية