الأربعاء 15 يناير 2020 08:04 ص

دخلت شركة "أبل" مؤخراً في مواجهة جديدة مع وزارة العدل الأمريكية ومكتب التحقيقات الفيدرالي قد تهدد مرة أخرى باللجوء إلى القضاء وربما المحكمة العليا، وذلك للمرة الثانية بعد جولة سابقة وقعت في سنة 2016 للسبب ذاته.

وترفض الشركة الرضوخ لطلب تمكين السلطات من البيانات المشفرة التي تحتويها أجهزة هواتف آيفون كان يملكها أشخاص ارتكبوا أعمال قتل أو إرهاب وقضوا فيها، وبالتالي عجز المحققون عن معرفة كلمة السرّ التي تتيح الدخول إليها.

وتبدي الشركة استعدادها لتسليم المعلومات المعتادة المتوفرة لديها عبر محفوظات "آيكلاود" مثلاً، وتقول إنها تعاونت على الدوام مع سلطات التحقيق، لكنها في المقابل ترفض تسليم مكتب التحقيقات اليفدرالي تطبيقاً خاصاً يتيح للمحققين فك تشفير الأجهزة لأنهم بذلك سوف يصبحون قادرين على فتح أي جهاز يريدونه، وليس فقط تلك الأجهزة الخاصة بالمتهمين أو مهدّدي الأمن العام.

وهذا في تقدير الشركة اعتداء على الحريات العامة وانتهاك للخصوصية، كما أنه يشكل خطراً يتجاوز الأفراد إلى الجماعات والأقليات والمنظمات التي تحتاج إلى التكتم على أنشطتها خشية تعرّضها للانكشاف والتنكيل من جانب الأجهزة الأمنية على امتداد العالم.

وهذه وجهة نظر جديرة بالتقدير والتأييد، بالنظر إلى أن الأجهزة الأمنية والاستخباراتية الأمريكية المختلفة مارست الكثير من طرائق التجسس على الأفراد بعد 11 سبتمبر/أيلول بصفة خاصة، وأن الهواتف الذكية باتت وسيلة لا غنى عنها في التواصل وتناقل المعلومات واستخدامات الحياة اليومية الكثيرة والضرورية.

ولم يكن غريباً أن مجموعة إسرائيلية، وليس شركة "أبل"، هي التي تعاقدت مع مكتب التحقيقات الفيدرالي خلال مواجهة 2016 وتمكنت من فك تشفير هاتف "سيد رضوان فاروق" الذي قتل 14 شخصاً في سان برناردينو، كاليفورنيا، أواخر 2015.

لكن المواجهة الأخيرة تكتسب بعداً خاصاً سياسياً وليس أمنياً فحسب، لأن وزارة العدل الأمريكية تطالب شركة "أبل" بفك تشفير جهازَيْ هاتف من نوع آيفون للضابط السعودي "محمد سعيد الشمراني"، الذي كان يتدرب في قاعدة بينساكولا البحرية، في فلوريدا، وأطلق النار على جنود أمريكيين في ديسمبر/كانون الأول الماضي فقتل 3 وجرح 8 قبل أن يُقتل، واعتبرت وزارة العدل أن العمل إرهابي الطابع.

فالسلطات الأمريكية قررت طرد 21 طالباً عسكرياً سعودياً ليس لأنهم على ارتباط بأي منظمة متطرفة أو جماعة إرهابية، بل فعلياً بسبب مناهضتهم للسياسات الأمريكية في المنطقة، وانحياز الولايات المتحدة المطلق لدولة الاحتلال الإسرائيلي وأجواء العداء للإسلام والمسلمين التي تشجع على تناميها خطاب الإدارة الأمريكية الراهنة.

وحتى الساعة أجرت السلطات الأمريكية أكثر من 500 تحقيق على خلفية إطلاق النار في بينساكولا، فإذا امتلك مكتب التحقيقات الفدرالي تطبيقاً يفك شيفرة أجهزة آيفون فإن خصوصيات الهواتف الذكية لقرابة 850 طالباً سعودياً عسكرياً يتدربون على أرض الولايات المتحدة سوف تصبح تحت المجهر.

وبذلك فإن شركة "أبل" تبدو هي المدافع عن خصوصية السعوديين من مستخدمي أجهزة "أبل" في أمريكا، وليس مئات المليارات من عقود التسلح التي أبرمها ولي العهد، "محمد بن سلمان" مع إدارة "دونالد ترامب".

والتي لم تفلح مع ذلك في إنقاذ المصافي والمطارات السعودية من صواريخ الحوثي غير الذكية، ولا حفظت للعسكري السعودي المتدرب في بلاد العم سام الحد الأدنى من الكرامة.

المصدر | القدس العربي