الأربعاء 15 يناير 2020 08:39 ص

هي ليست ظاهرة عربية فقط، أن تعمد الطبقات الوسطى إلى تأييد السلطوية والتخلي عن المطالبة بالحقوق والحريات في مراحل التغيير المجتمعي ولحظات الحراك الشعبي. على سبيل المثال، شاركت الطبقة الوسطى المصرية بكثافة في ثورة يناير 2011 وتعاطفت في أعقابها مع الفكرة الديمقراطية التي ربطت بينها وبين بناء نظام سياسي واجتماعي جديد وتحديث مؤسسات الدولة الوطنية وتداول السلطة عبر انتخابات تنافسية.

ثم سرعان ما انقلبت على كل ذلك في صيف 2013 وتبنت الانسحاب من الإجراءات الديمقراطية والارتداد إلى حكم الفرد وتماهت مع هيستيريا تبرير المظالم والانتهاكات الواسعة. اليوم، تتطابق اختيارات شرائح واسعة في الطبقات الوسطى في الجزائر ولبنان والعراق مع الاختيارات المضادة للديمقراطية للطبقة الوسطة المصرية.

ليست بلاد العرب بالاستثناء هنا. ففي العديد من مجتمعات أمريكا اللاتينية في ستينات وسبعينات وثمانينات القرن العشرين تكررت نفس الظاهرة، وكان انتقال الطبقات الوسطى من المطالبة بالديمقراطية والانتخابات الحرة إلى دعم الانقلابات العسكرية وإلغاء السياسة وقمع المجتمع المدني وسطوة الأجهزة الأمنية والاستخباراتية سببا رئيسيا في تأخر التحول الديمقراطي في البرازيل والأرجنتين وشيلي وغيرها.

باختياراتها الراهنة لا تختلف الطبقات الوسطى العربية عن الطبقات الوسطى في بعض المجتمعات الآسيوية كماليزيا وإندونيسيا، وبهما عطل التحول الديمقراطي طويلا بسبب مراوحة المواطنين المنتمين إلى الطبقات الوسطى بين القليل من طلب الحقوق والحريات وسيادة القانون في فترات النمو الاقتصادي وتحسن الخدمات الأساسية والظروف المعيشية وبين ردة إلى البحث عن ديكتاتور محتمل وإلى هجر البرلمانات والحكومات البرلمانية والسلطات القضائية المستقلة باتجاه تأييد حكم الفرد في فترات التراجع الاقتصادي.

بل إن الاختيارات المضادة للديمقراطية للطبقات الوسطى العربية تكاد تتطابق مع التفضيلات الراهنة للطبقة الوسطى في تايلاند التي دفعتها الانتصارات الانتخابية المتكررة لقوى حزبية وسياسية تمثل الطبقات الفقيرة والمهمشة والريفية إلى التخلي عن مطالبتها بالديمقراطية وتأييد تدخل مؤقت للجيش في السياسة لعزل رئيس وزراء منتخب (تاكسين شيناوترا).

ثم تأييد تدخل آخر في 2014 عطل الحياة البرلمانية وألغى السياسة وجاء إلى الحكم بمجلس عسكري وأحكام عرفية (رفعت الأحكام العرفية بعد 10 أشهر من الانقلاب العسكري).

إذن، ليس لاختيارات الطبقات الوسطى العربية الخصوصية التي قد نظنها ويزينها لنا انكفاءنا على أوضاعنا الداخلية المأزومة، أو يقودنا إليها توقفنا عن استخلاص العبر مما حدث ويحدث في المجتمعات ذات الأوضاع المشابهة.

ومن ثم يصبح السؤال الجوهري هو لماذا تمعن الطبقات الوسطى في تأييد السلطوية والتعاطف مع الانقلاب على الإجراءات الديمقراطية وتتبرع بإسقاط الأمل في صون الحقوق والحريات واحترام سيادة القانون من حساباتها وتتورط في الصمت على المظالم والانتهاكات حين تستنكف التماهي مع هيستيريا التبرير للظلم؟

تتعدد الأسباب. في فترات النمو الاقتصادي وتحسن الخدمات الأساسية والظروف المعيشية، تأتي الطبقات الوسطى إلى المطالبة بالديمقراطية مدفوعة بالرغبة في المشاركة في الشأن العام، وفي ممارسة الاختيار المباشر للحكام ووضعهم تحت مجهر الرقابة والمساءلة والمحاسبة.

تأتي إليها محملة بالرغبة في محاربة الفساد الذي دوما ما ترعاه السلطوية، وفي إقرار مبادئ الكرامة الإنسانية والمبادرة الفردية وتكافؤ الفرص والمساواة التي تفتح الآفاق أمام المزيد من الحيوية والمزيد من الحراك الاجتماعي المستمر للمواطنات والمواطنين صعودا وهبوطا. تأتي إليها باحثة عن الحياة في مجتمعات ودول طبيعية.

غير أن الطبقات الوسطى لا تأتي إلى المطالبة بالديمقراطية، وهي عازمة على تحمل الكلفة المرتفعة للتخلص من السلطوية ونخبها التي أبدا لا تخلي أماكنها في الحكم أو تتخلى عن امتيازات الثروة والنفوذ بسهولة.

كذلك تغيب عن الطبقات الوسطى طاقات التحمل الجماعي للتداعيات السلبية لمراحل التغيير وللحظات الحراك الشعبي على الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية وعلى قضايا الاستقرار، علما بأن مراحل التغيير ولحظات الحراك هذه هي التي عادة ما تمهد للتحول الديمقراطي أو سرعان ما تتبعه.

وحين تكتشف الطبقات الوسطى خوفها العميق من الانتصارات الانتخابية المتوقعة أو (حال حدوثها) المتتالية للقوى السياسية التي تمثل الطبقات الفقيرة والمهمشة والمحرومة ـ كاليسار في أمريكا اللاتينية والأحزاب الشعبوية في آسيا واليمين الديني في بلادنا، فإنها تغادر تماما مساحات المطالبة بالديمقراطية وترتد إلى الوراء في تحالف عبثي مع نخب السلطوية التي أرادت إزاحتها في لحظات التعاطف مع الحراك الشعبي وفي استدعاء مريض للحاكم الفرد لكي يخلصها من خوفها.

لسنا بمختلفين عن غيرنا، وسيظل الفقراء ومحدودو الدخل هم ملح الانتفاضات الشعبية والطلب على الديمقراطية في بلاد العرب.

- د. عمرو حمزاوي أستاذ علوم سياسية، باحث حاليا بجامعة ستانفورد الأمريكية.

المصدر | القدس العربي