الأربعاء 15 يناير 2020 02:06 م

توجد لحظات يبدو فيها أن العالم بأسره ينهار، كما لو أن "هرمجدون" قد حلّت علينا. ويميل الجمهور إلى أن يكون قادرا على التعامل مع "هرمجدون" واحدة فقط في كل مرة، وعلى الرغم من أن نهاية العالم قد تستلزم أكثر من كارثة واحدة، فإن الصحف يكون لديها مجال لعنوان واحد مثير فقط في اليوم، ويسود "تويتر" وسم ما ليغطي على باقي الأحداث خلال نفس الوقت.

وأشير بالطبع إلى المواجهة البارزة بين الولايات المتحدة وإيران، والانتشار التركي في ليبيا الذي كان أقل شهرة. وعلى الرغم من أن الأمر يبدو للوهلة الأولى كارثيا، إلا أنه من الحكمة التفكير في ما آلت إليه الأوضاع حاليا، بعد أسبوع أو أسبوعين فقط من حالة الذعر التي ملأت العالم، والنظر في أحداث عالمية أخرى سببت الذعر في السابق. فماذا حدث بعد كل شيء للصين أو بريكسيت؟

لا ينبع نمط التدفق المعلوماتي والحدة العاطفية من القضية الأساسية. بل ما يجري أننا نلاحظ ما يحدث عادة عندما يحدث شيء غير متوقع وصاخب. ونظرا لأن البشرية تميل إلى ألا تختلف غدا عما كانت عليه بالأمس، وبما أن انتباهها ينجذب للضوضاء، فإنها تفترض أن ما لم يلاحظه أحد في السابق قد أصبح كارثيا الآن.

وتأمل معي في الأحداث غير المتوقعة والصاخبة في تركيا وبين الولايات المتحدة وإيران. إنها أحداث كبيرة بالطبع، لكن الضوضاء المحمومة حولها هي التي طغت على أهميتها، التي قد تتكشف على مدار السنين والعقود والأجيال.

وتواجه إيران في جهودها لإيجاد مجال من النفوذ، فيما يُطلق عليه الهلال الشيعي أحيانا، تحديا من جانب خصومها. ومن جهة، يقف وكلاء إيران من غير الدول في لبنان وسوريا والعراق. وعلى الجانب الآخر، تقف (إسرائيل) والمملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة.

وقد حاول الإيرانيون أن يركزوا الصراع على العراق، مستخدمين دعما كبيرا يعتمد بشكل كبير على الشيعة العراقيين. وركزت الولايات المتحدة جهودها على إيران نفسها، مستخدمةً العقوبات الاقتصادية لتقويض النظام. ولم ينجح أي من الطرفين. فقد خلقت العقوبات تعاسة عامة، انعكست في المظاهرات التي خرجت في الجامعات بشأن إسقاط طائرة أوكرانية مدنية. لكن انتفاضات الطلاب نادرا ما تؤدي إلى تغيير النظام. فيجب أن ينضم آخرون، وحتى الآن، فإن النظام يتعرض لضغوط، لكنه لا يسقط.

وفي هذه الأثناء، اتخذت تركيا خطوة مهمة لممارسة سيطرتها على شرق البحر المتوسط ​​وليبيا، كان الهدف منها استراتيجي بشكل بحت. وتؤثر فوضى الشرق الأوسط على تركيا على نحو متزايد. ومع ذلك فإن تركيا، بعد (إسرائيل)، هي القوة الرئيسية في المنطقة.

وكان التوقع يدور حول أن انتقال تركيا إلى ليبيا قد يخلق صراعا مع روسيا. وقد يخلق الانتقال إلى البحر المتوسط ​​توترات مع (إسرائيل) واليونان، وكلاهما تدعمهما الولايات المتحدة. ولم تظهر هذه التوترات حتى الآن، ولا تزال سيطرة تركيا على شرق البحر المتوسط ​​في مرحلة تطوير المفهوم.

والأمر المثير للاهتمام هو أنه يبدو أن هناك تفاهما تركيا مع روسيا حول ليبيا. ولا تريد روسيا عزل تركيا، ولا تريد تركيا عزل روسيا. وما يحدث لاحقا سيحدث على أي حال. وفي الوقت الحالي، يجري العمل على صفقة مريبة بعض الشيء.

وكان كلا الحدثين غير متوقعا بما فيه الكفاية، وصاخبا بما يكفي لجذب انتباه العالم. كما أنهما لم يكونا حاسمين بما يكفي لتحويل العالم أو تعريضه للخطر. ومن المثير للاهتمام أن نلقي نظرة على حدثين آخرين بدا أنهما كانا قبل أشهر معدودة يعرضان العالم للخطر.

الأول هو "بريكست"، أو خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي. ومنذ أكثر من 3 أعوام، دعت الحكومة البريطانية إلى إجراء استفتاء حول ما إذا كان يتعين على بريطانيا مغادرة الاتحاد الأوروبي. ولم يكن الاهتمام العالمي كبيرا حيث كان من المتوقع أن يرفض الرأي العام البريطاني الفكرة باعتبارها لا تستحق.

وبدلا من ذلك، صوت البريطانيون للمغادرة. وتلى ذلك عاصفة من الذعر. وقيل الكثير حول أنه إذا غادرت بريطانيا، فسوف تنهار تماما. وإذا بقيت، فسوف تنهار أيضا بصورة أخرى. سوف يعاقب الاتحاد الأوروبي ثاني أكبر اقتصاد في أوروبا عبر عزله. وسوف تحيا من جديد "ثورة عيد الفصح" في أيرلندا. والآن، نحن على بعد أسابيع من بداية هذا "الطلاق"، وبينما لا يزال يتم الحديث عن الأمر على نطاق واسع، فإن خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي لم يكن بهذه الكارثية.

تحتاج أوروبا إلى بريطانيا، لأنها تستقبل عددا كبيرا من الصادرات. ولم تكن التهديدات التي أطلقها الاتحاد الأوروبي في ذلك الوقت ذات مصداقية، وتلاشى الذعر مع تفكير العالم المالي في كيفية جني الأموال من خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي. وسيتغير العالم المحيط ببريطانيا بطريقة ما، لكن الواقع الأساسي الذي تقوم عليه بريطانيا وعلاقتها بأوروبا لن يتغير بهذه السرعة. تظل هذه العلاقة شيء مهم، ولن تحدث التغيرات في شكل العلاقة بسرعة.

وكان الحدث الآخر هو الصين. لم يرحب الصينيون بالصادرات الأمريكية، لذا أصبحت الولايات المتحدة غير مسرورة بشأن الصادرات الصينية. وكان هذا بمثابة بداية حرب باردة جديدة، صراع بين قوتين متساويتين. لكن الحقيقة هي أن الصين كانت مذهلة من الناحية المالية، لكن اقتصادها يظل مجرد جزء صغير من حجم الاقتصاد الأمريكي، بقياس الكثير من الأشياء غير التعادل في القوة الشرائية الأسطورية. وكان الاقتصاد الصيني يعتمد اعتمادا كبيرا على الصادرات، لا سيما للولايات المتحدة. في حين لا تعتمد الولايات المتحدة اعتمادا كبيرا على الصادرات.

وفي الواقع، الحروب التجارية شائعة. وهذا ما كان يهدد الاتحاد الأوروبي بريطانيا به. وكانت الصين اليد الأضعف في هذه الحرب. لم يكن بإمكانها السماح لسوقها المحلي بأن تغمره السلع الأمريكية، ولا يمكنها أن تتخلى عن الصادرات. وكان الجمود، مع التهديدات المتقطعة، وإعلان شيء أو آخر، مصير تلك الحرب التي جرى الحديث عنها. لقد وصلنا الآن إلى نقطة البيانات المتقطعة، والمناقشات على المواقع مثل موقعنا.

والنقطة المهمة هنا هي أن التحليل الجيوسياسي يحدد الشكل العام للأحداث واتجاهها. ومن السهل رؤية الأحداث الصاخبة خارج السياق الجيوسياسي، وبالتالي يتم المبالغة في أهميتها. كانت الأحداث بين الولايات المتحدة وإيران الأسبوع الماضي مذهلة فقط لمن يفشل في رؤية العملية الواسعة الجارية، والتي بدونها يطغى على الأمور الأهم مجرد مجموعة من الأحداث التي تنبثق عن الأحداث المهمة.

وبالنسبة لتركيا، فقد كان سعيها لإظهار قوتها متوقعا. والأحداث في البحر المتوسط ​​وشمال أفريقيا جزء من ذلك. لم تحدث هذه التحركات من لا شيء؛ بل بسبب الضرورات الجيوسياسية. ويمكن قول الشيء نفسه عن الصين و"بريكسيت". ومع مرور الوقت، يتم نسيان الحدث ببطء، ويصبح التطور التدريجي للتاريخ شيئا نعتاد عليه.

المصدر | جورج فريدمان - جيوبوليتيكال فيوتشرز - ترجمة وتحرير الخليج الجديد