الثلاثاء 4 فبراير 2020 05:30 م

كان للغارة الجوية التي استهدفت قائد فيلق القدس الإيراني "قاسم سليماني" قرب مطار بغداد في 3 يناير/كانون الثاني، وما أعقبها من إسقاط الحرس الثوري الإيراني لطائرة أوكرانية بعد دقائق من إقلاعها من مطار طهران الدولي بصاروخ، تداعيات وانعكاسات كبيرة على الداخل الإيراني.

جاءت مأساة الطائرة المنكوبة بعد وقت قصير من إطلاق إيران عشرات الصواريخ الباليستية على قاعدتين أمريكيتين غربي وشمالي العراق، ردا على مقتل "سليماني".

 واعترفت إيران بأنها أسقطت الطائرة "عن غير قصد"، واصفة ذلك بأنه "خطأ بشري" رغم نفيها في البداية استهداف الطائرة بأحد صواريخها.

ومن بين ضحايا الطائرة، 82 إيرانيا، إضافة إلى 63 كنديا و11 أوكرانيا و10 سويديين و4 أفغان و3 بريطانيين و3 ألمان.

وفيما يلي نرصد جانبا من تلك التداعيات والانعكاسات للواقعتين الداخل الإيراني ونفوذ الجناحين الإصلاحي بزعامة الرئيس "حسن روحاني"، والمحافظ وعلى رأسه المرشد الأعلى للجمهورية الإيرانية "علي خامنئي" الذي كان يدعم "قاسم سليماني" بشدة.

  • تقوية التيار المحافظ

كان هناك إجماع سابق لدى الباحثين في الشأن الإيراني على أن اغتيال واشنطن للجنرال الإيراني البارز "قاسم سليماني" سيساهم في تقوية التيار الإيراني المحافظ بقيادة "خامنئي".

ويرى هؤلاء الباحثون أن مقتل "سليماني" أعاد إلى هذا التيار الكثير من شعبيته التي فقدها مؤخرا، بينما يمر التيار الإصلاحي بأضعف حالاته، ومن المرجح أن يشكل التيار المحافظ أغبية مقاعد مجلس الشورى الإيراني في الانتخابات القادمة في فبراير/شباط الحالي.

وهذا الأمر أكده مسؤول الشؤون الإيرانية في مجموعة الأزمات الدولية "علي فايز" الذي قال في تغريدة عبر تويتر: "من شبه المضمون أن يصبح البرلمان الإيراني بيد العناصر الأكثر تشددا في إيران" بعد الانتخابات التشريعية في فبراير/شباط.

غير أن الأوضاع اتخذت منعطفا جديدا بعد إسقاط طائرة أوكرانية بصاروخ إيراني بعد دقائق من إقلاعها من مطار طهران في وقت سابق وهو ما جعل التوتر بين الرئيس "حسن روحاني" والحرس الثوري يخرج للعلن.

  • روحاني والحرس الثوري.. توتر علني

فوسط حالة من التوتر والارتباك أعقبت مقتل "سليماني"، أقدمت عناصر من الحرس الثوري الإيراني على استهدف طائرة أوكرانية عن طريق الخطأ؛ ما أودي بحياة 176 شخصا.

وبعد أيام من محاولة التهرب والمراوغة، أعلن الحرس الثوري تحمله مسؤولية إسقاط الطائرة.

وفيما بدأ أنه استغلال جيد للموقف، قال الرئيس الإيراني "حسن روحاني"، في تغريدة، إن "التحقيق الداخلي للقوات المسلحة خلص إلى أن صواريخ أطلقت للأسف عن طريق الخطأ أدت إلى تحطم الطائرة الأوكرانية"، واصفا ما حدث بأنه "مأساة كبرى وخطأ لا يغتفر".

وتعليقا على هذه السجالات، قالت صحيفة "ديلي تلجراف" البريطانية إن التوتر بين الحرس الثوري و"روحاني" خرج من السر إلى العلن، بعد اتهام الرئيس للحرس بتضليله بشأن حادث الطائرة؛ حيث بدا واضحا أن "روحاني" يسعى لتوجيه الغضب الشعبي باتجاه أعدائه في الحرس الثوري.

وفي الوقت نفسه كُشف عن تسجيل مسرب لأحد قادة الحرس الثوري يشكو من أن حكومة "روحاني" تركتهم عرضة للغضب الشعبي بسبب إسقاط الطائرة الأوكرانية، وفقا للصحيفة البريطانية.

وأظهر التسجيل الذي نشره موقع إيراني معارض قائدا بارزا في الحرس الثوري يتحدث في غرفة مليئة بالضباط مطالبا إياهم بامتصاص الغضبة السياسية.

وكشف التسجيل أن القائد قال إن الحكومة كان من الممكن أن تنتظر شهرين أو ثلاثة قبل أن تعلن الحقيقة لتسمح للحرس الثوري بالحصول على دعم وتعاطف شعبي أكبر على خلفية اغتيال "سليماني" وما تلاه من قصف قاعدتين لأمريكا في العراق.

وأضاف القائد أن حكومة "روحاني" لم تظهر أي نوع من التقدير للحرس الثوري الذي قمع مظاهرات معادية لها قبل أسابيع.

وفجر اعترف طهران بإسقاط طائرة الركاب الأوكرانية غضبا شعبيا عارما في أنحاء متفرقة من البلاد؛ تنديدا بالكارثة التي أودت بحياة 176 شخصا، وللمطالبة بمحاسبة واستقالة جميع المسؤولين عن الإهمال الذي أدى إلى إسقاط الطائرة.

ونظم الإيرانيون مظاهرات مناهضة للحكومة في أنحاء مختلفة من البلاد؛ للتنديد بما يسمونه "الإهمال المطلق" الذي أسفر عن إسقاط الطائرة من طراز "بوينغ 737" بعد إقلاعها بوقت قصير من العاصمة طهران.

  • عدم اليقين

في هذا السياق، يري الكاتب الإيراني "أمير طاهري" أن مقتل "سليماني" سيلقي بظلاله على صراع السلطة المحتدم داخل أروقة الحكم والسياسة في طهران، وهو الأمر الذي من المؤكد أن تُستأنف مجرياته وفعالياته بصورة أكثر اشتعالا في الآونة المقبلة داخل إيران.

وذكر "الطاهري" أن بعض المحللين في طهران يعتقدون أن "خامنئي" كان يعتزم الترويج لترشيح "سليماني" لتولي منصب رئيس الجمهورية الإسلامية في عام 2021، ولقد بدأت حملة الترويج لذلك الأمر في العام الماضي مع التسويق لصورة "سليماني" على أنه "القائد الصوفي الروحاني"، وفي الوقت نفسه، شرعت لجنة من الإيرانيين في ولاية فلوريدا في تنظيم حملات لتأييد ترشيح "سليماني" لرئاسة إيران.

وتابع الكاتب: "إذا كانت تلك هي الخطة التي كان خامنئي يعتزم فرضها، فما من شك في أن رحيل سليماني المفاجئ سيسفر عن مزيد من انعدام اليقين فيما يتعلق بمسار السياسات الإيرانية في المستقبل المنظور".

لكن تأثير مقتل "سليماني" لم يتوقف عند هذا الحد؛ فقد أثار رحيل الجنرال الإيراني الأبرز في الحرس الثوري التساؤلات عن مستقبل جيل "الريفيين" المعروف في أدبيات الثورة الإيرانية.

ووفق لتقرير نشره موقع "ساسة بوست" فإن هذا الجيل هم الرفاق الذين وفدوا من قراهم الريفية عقب مقتل شاه إيران قبل 40 عاما لحماية الجمهورية الإسلامية الجديدة، مؤسسين الحرس الثوري ليكون وسيلة ردع للخصوم وإعادة بناء "الإمبراطورية الفارسية".

وانفرط عقد هذا الجيل المؤسس عقب مقتل أبرز قادته في الحروب الأخيرة، بين سوريا ولبنان والعراق. وراكم آثار الانفراط اغتيال  "سليماني".

وشملت قائمة أبرز رموز هذا الجيل الذي سقط على مدار السنوات الماضية كل من "حسام خوش نويس" الذي عمل تحت لقب "مسؤول فيلق القدس في لبنان"، والذي قُتل على يد عملاء لـ(إسرائيل)، في فبراير/شباط 2013، في طريق عودته من دمشق إلى بيروت.

وشملت القائمة أيضا "أحمد كاظمي"، قائد القوات البرية في الحرس الثوري الإيراني الذي قتل خلال تحطم طائرة عسكرية إيرانية، في التاسع من يناير/كانون الثاني 2006.

 وهناك أيضا "حسين همداني"، أحد مؤسسي قوات الحرس الثوري الإيراني الذي قتل في أكتوبر/تشرين الأول 2015، أثناء تأديته مهامه الاستشارية في مدينة حلب بسوريا، ليصبح "سليماني" آخر من سقطوا من رموز هذا الجيل.

المصدر | الخليج الجديد